تعد الأوقاف من أهم أدوات تحقيق الاستدامة الخدمية والمالية للقطاع الخيري؛ فالاستدامة المالية في هذا القطاع تعرف بأنها قدرة الجهة الخيرية على ضمان استقرار إيراداتها ونموها بما يمكنها من تقديم أفضل الخدمات للمستفيدين، وتحقيق فائض مالي يعينها على مواجهة تقلبات الظروف الداخلية والخارجية. وعلى الرغم من أن مصطلح (الاستدامة) ظهر عالميا في ثمانينيات القرن العشرين، إلا أن جوهرها في العمل الخيري يقوم أصلا على تقديم الخدمات.
وقد استثمر الغرب هذا النموذج ببراعة عبر ما يعرف بـ(Trust) أو (Endowment)، حيث قامت عليه جامعات ومؤسسات صحية كبرى بفضل أوقاف ضخمة أسهمت في بناء حضارتهم وتلبية احتياجاتهم الخدمية. ونظرا لأهمية الاستدامة هناك، يحرص المانحون على تأسيس مشاريع وقفية محمية بقوانين صارمة تدعم استمراريتها وتبعدها عن التعقيدات البيروقراطية، مع ضمان تبعية هذه الأوقاف للقطاع غير الربحي لا العكس.
ولم تنخرط الأوقاف الغربية في المسار الرأسمالي إلا بعد تغلغل الرأسمالية في مفاصل الحياة الغربية كافة؛ إذ باتت اليوم تواجه صراعا بين قيمها التأسيسية القائمة على الخدمة وقيم العمل الإنساني الأخلاقي، وبين متطلبات عالم الاستثمارات الرقمية والأسهم بمؤشراتها المادية، وهو ما يفرض الحاجة إلى دراسات تتناول هذا التحول وتلك الجدلية بين "الخدمة" و"المال". كما هو كتاب (الرأسمالية الخيرية: كيف يمكن للأغنياء إنقاذ العالم Philanthrocapitalism: How the Rich Can Save the World) بقلم ماثيو بيشوب ومايكل غرين.
إن (الاستدامة الخدمية) ركيزة أساسية للتمكين؛ والتمكين في جوهره يعني تعزيز قدرات الأفراد والمؤسسات بمنحهم القوة والسلطة لتقديم أفضل الخدمات. وفي هذا السياق، تعرف (الهيئة العامة للأوقاف) التمكين بأنه: منظومة تهدف إلى تمكين الأوقاف والقطاع غير الربحي من تحقيق أثر أعمق، من خلال تطوير قدرات الكيانات غير الربحية والعاملين فيها، وإيجاد الأنظمة والتشريعات المحفزة لتعزيز كفاءتها واستدامة أثرها. [الهيئة العامة للأوقاف].
الجمعيات وطبيعة الاستدامة الوقفية:
تميز القطاع الخيري عبر التاريخ الإسلامي بعموده الفقري "الأوقاف"؛ بفضل التشريعات الإسلامية التي ضمنت بقاءه وحمايته، واستدامة عطائه المالي والخدمي الذي عزز الثقة المجتمعية. وتتمثل طبيعة هذه الاستدامة في إنشاء أصول مدرة للأموال، أو تحقيق منافع مجتمعية وخدمات غير ربحية وهو الأكثر؛ كالمزارع والعقارات والأصول المنتجة التي توفر فرصا وظيفية وتلبي احتياجات سوق العمل. ويعد هذا النموذج من (استدامة المنافع) هو الركيزة التي قامت عليها الحضارة الإسلامية في مختلف عواصم العالم عبر التاريخ؛ إذ تكفلت هذه الاستدامة الخدمية بسد الاحتياجات المجتمعية المستمرة؛ كالأمن الغذائي، ومعالجة الفقر، والتعليم، وخدمة الإنسان، إلى جانب الاستجابة للحالات الطارئة والإغاثات العاجلة.
وعن الأثر الميداني لهذه الأوقاف ومكانتها في التاريخ الحضاري، نجد أمثلة جلية؛ مثل (عين زبيدة) في توفير المياه المستدامة، و(طريق زبيدة) في تيسير الوصول للحرمين الشريفين عبر أزمنة طويلة، وهما نموذجان ميزا أمة الإسلام في البناء الخدمي والتنمية المستدامة. وقد أوضح معالي الشيخ صالح الحصين - رحمه الله - ذلك بقوله «لا يوجد ثقافة أو حضارة في العالم بنيت على البذل التطوعي مثل ما بنيت الحضارة الإسلامية... فالحضارة الإسلامية بنيت على الأوقاف والبذل التطوعي» [صالح الحصين: كلمة للشباب].
ويبين الحصين جاذبية الأوقاف في التاريخ الإسلامي بوصفها عطاء أهليا اختياريا، مدفوعا بحوافز دينية وروح إنسانية خيرة، حيث يقول «كون الحضارة الإسلامية بنيت على الأوقاف، فهذا ميزها عن كل الحضارات الأخرى، فالحضارات الأخرى، أنشأها الفراعنة أو الأباطرة أو القوى السياسية والعسكرية، أما الحضارة الإسلامية فما دام أنها بنيت على الأوقاف، وهذه الأوقاف من أفراد الشعب، فبالتالي هي حضارة شعبية، وليست حضارة قوى مادية أو عسكرية أو أباطرة أو طغاة» [صالح الحصين: كلمة للشباب].
يستوجب هذا الأساس العلمي الشرعي والتاريخي من الهيئة العامة للأوقاف وأوقاف الجمعيات ألا تغرق في المعايير المادية الاقتصادية المحضة؛ بل ينبغي أن تكون جمعيات القطاع - بما تقدمه من خدمات ميدانية - هي الأوعية الأمثل والأكبر للهيئة في إيصال أثرها المجتمعي. فتقديم معيار الأثر الخدمي على معيار الرقمنة الاقتصادية هو (التمكين المثالي)، وهو الكفيل بتحفيز المجتمع على العطاء الوقفي، وتعزيز رسالة تلك الجمعيات التي ينتظر منها الكثير لتحقيق التمكين الخدمي للأوقاف والقطاع الخيري معا.
هل العلاقة بين القطاع الخيري والأوقاف العامة علاقة (تمكين خدمي)؟!
محمد عبدالله السلومي3 دقائق للقراءةحجم الخط
