تحولات الخطاب الديني المعاصر: من التعددية المجتمعية إلى سياقات الإقصاء والتكفير
عبدالله علي بانخر5 دقائق للقراءةحجم الخط
مسار السلم الاجتماعي من «وثيقة المدينة» إلى أفق الرؤية السعودية
شهد الفضاء العام في العالم العربي والإسلامي، قبل منعطف سبعينيات القرن العشرين، حالة من الاستقرار اللغوي والمدني في توصيف المكونات الاجتماعية؛ حيث ارتكز الخطاب العام والإعلامي والفقهي الرسمي على ثنائية «المسلم وغير المسلم» كمصطلح قانوني وإنساني مرن ينظم شبكة العلاقات داخل الدولة الوطنية الناشئة. وفي تلك الحقبة، ظلت لفظة «الكافر» حبيسة المتون الفقهية التخصصية كحكم عقدي مجرد، ولم تكن أداة للفرز أو النبذ المجتمعي في الحياة اليومية للمواطنين، قبل أن تقتحم الأدبيات المعاصرة موجة من التصنيفات الإقصائية الفجة التي نقلت لغة الحوار من ضفة التعايش إلى منصات التكفير الحركي والسياسي.
الدولة النبوية وتأسيس المواطنة التعاقدية الأولى
عند تفكيك هذا التحول بالعودة إلى صدر الإسلام، يتضح أن أصل المجتمع في المدينة المنورة على عهد الرسول ﷺ والخلفاء الراشدين بني على مفهوم «المواطنة التعاقدية المشتركة وسلطة الدولة المدنية»، وهو الكيان الذي تأسس بموجب «وثيقة المدينة». لقد غيّر هذا العقد النبوي وجه التاريخ العربي معلِنا أن سكان المدينة «أمة واحدة من دون الناس»؛ وهي أمة سياسية عابرة للقبيلة والعصبية، بل وعابرة للدين أيضا كما نصت الوثيقة بوضوح.
قام الأصل في الدولة الإسلامية الأولى على واقعية شديدة اعتمدت التعددية العرقية والدينية كأمر واقع ومقبول، وضمت المهاجرين، والأنصار، واليهود، والمشركين، والموالي. وتساوى الجميع في الحقوق والواجبات كالدفاع عن المدينة والإنفاق المشترك، مع كفالة حرية الاعتقاد الكاملة وحصر مرجعية فض النزاعات بسلطة الدولة وإرساء مبدأ «المسؤولية الجنائية الفردية»؛ حيث قررت الصحيفة «أنه لا يكسب كاسب إلا على نفسه». هذا التأصيل التاريخي يبرهن على أن مجتمع الصدر الأول قام على العهد والمسؤولية المدنية المشتركة، ولم يعرف الفرز العقدي الحاد أو النبذ الإقصائي طالما التزم الجميع بأمن المجتمع.
هندسة «الجاهلية المعاصرة» والجذور الأيديولوجية الحركية
خلافا للمفهوم الشائع الذي يربط ظهور لغة التكفير الفجة بحوادث أواخر السبعينيات حصرا، فإن الجذور التاريخية والأكاديمية لهذه الظاهرة تعود إلى منتصف القرن العشرين عبر أدبيات الإسلام الحركي والراديكالي. وبدأت هذه الهندسة الفكرية مع أطروحات أبو الأعلى المودودي الذي صاغ مفهوم «الحاكمية لله»، معتبرا الأنظمة السياسية والمدنية الحديثة عودة صريحة لـ«الجاهلية الأولى».
تلقف المنظّر الحركي سيد قطب هذه الأطروحات وضمنها في كتابه «معالم في الطريق» ليحدث هزة بنيوية في قاموس الخطاب الديني. وعمل قطب على تقسيم العالم بصورة حادة وفجة إلى فسطاطين: فسطاط الإيمان المطلق وفسطاط الجاهلية (الكفر)، ناقلا المصطلح من دائرة الاختلاف العقدي مع الآخر الديني إلى دائرة تكفير النظم والمجتمعات المسلمة التي ارتضت القوانين المدنية. ومن رحم هذه البيئة الفكرية المأزومة، ولدت خلايا العنف والتكفير السرية في السبعينيات لتمارس التصنيف العلني ضد الدولة والمجتمع متجاوزة الأصل النبوي المدني.
منعطف عام 1979 وتحول التكفير إلى استراتيجية تعبئة
إذا كانت الأفكار القطبية والمودودية قد شكلت «النظرية الأيديولوجية» المحصورة في الأروقة السرية، فإن حوادث عام 1979 التاريخية مثلت الوقود الجيوسياسي الذي دفع بهذا الخطاب إلى العلن، وحوله إلى أداة تعبئة جماهيرية قادتها قوى إقليمية ودولية:
- المد الثوري والاستقطاب العقدي: أدى نجاح الثورة الإيرانية عام 1979 إلى تقديم نموذج ثوري شحن الفضاء الإقليمي بمصطلحات الاستكبار والاستضعاف، واعتمد استراتيجية نزع الشرعية العقدية والسياسية عن الأنظمة العربية بدعوى تبعيتها للغرب. وفي المقابل، فعِّل سلاح «عقيدة الولاء والبراء» ليتحول من سياقه التطهيري الذاتي إلى أداة فرز يومية تصنف الشارع والمخالفين إلى فئات (مؤمن، مبتدع، رافضي، كافر)، وباتت مادة لخطب الجمعة والمناهج والندوات.
- عولمة القتال الأيديولوجي: تزامن ذلك مع الغزو السوفيتي لأفغانستان في ديسمبر 1979، وهو الحدث الذي عولم أدبيات القتال تحت شعار محاربة «الكفار الملحدين»، مع توفير تغطية وإعلام أسهما في تطبيع مصطلحات الحرب العقدية وإدماجها في الثقافة الشعبية.
التحول البنيوي للخطاب من الغرف المغلقة إلى الفضاء العام
يكشف التتبع السوسيولوجي والسياسي لمسار التكفير عن تحول جذري؛ حيث تميزت مرحلة التأصيل الحركي والقطبي (من الخمسينيات إلى منتصف السبعينيات) بكونها حركات سرية ونخبوية محصورة في السجون أو المنافي، مستهدفة الحاكم المحلي والمجتمع بدعوى غياب الشريعة.
أما مرحلة ما بعد عام 1979، فقد قفزت بالخطاب إلى طور التوظيف الجيوسياسي؛ إذ أصبح الخطاب التكفيري علنيا، جماهيريا، ومدعوما بقنوات ومنابر ومؤسسات، وانتشر عبر الإعلام الشعبي وأشرطة الكاسيت الدينية. ولم يعد المستهدف الحاكم المحلي فحسب، بل اتسع ليشمل المخالف المذهبي، والقوى الخارجية، والتيارات التنويرية برمتها، مما جعل من لفظ «الكفر» سلاحا سياسيا شاملا في المعارك الإقليمية.
استشراف مستقبل التعايش ودور المملكة الريادي
إن استعادة روح التعايش والتعددية التي أرستها وثيقة المدينة المنورة تتطلب تفكيك الخطابات الإقصائية ونبذ لغة التكفير والفرز العقدي التي عكّرت صفو السلم الاجتماعي لعهود طويلة. وفي هذا السياق، تقود المملكة العربية السعودية رؤية حضارية شاملة لبناء مستقبل يسوده السلم الاجتماعي والوئام؛ فعلى المستوى المحلي، رسخت المملكة مفاهيم المواطنة الشاملة وسيادة القانون ومكافحة الفكر المتطرف وتعزيز قيم التسامح والاعتدال.
أما على المستويين الإقليمي والدولي، فقد برزت السعودية كقوة داعمة للاستقرار ومركز محوري للحوار بين الأديان والثقافات، عبر إطلاق المبادرات المؤثرة ورعاية المؤتمرات الدولية والمؤسسات العالمية المكرسة للتعايش، بما يعزز قيم السلام العالمي ويعيد للخطاب الديني والإنساني توازنه وسماحته بعيدا عن أيديولوجيات التجييش والإقصاء.
خلاصة واستشراف: من هدم الجسور إلى بناء السلام الحضاري
إن استقراء التاريخ القريب يثبت أن الثورة الإيرانية وصراعات أواخر السبعينيات لم تبتكر فكرة التكفير من العدم، بل وجدتها مصاغة ومؤصلة سلفا في متون المنظرين الحركيين، ووفرت لها الصراعات الإقليمية البيئة النموذجية للخروج من الهامش السري إلى صدارة الخطاب الإعلامي والشعبي، مستبدلة سماحة لغة التعايش التي اتسعت تاريخيا لـ«المسلم وغير المسلم» بقاموس فج من الإقصاء والتخوين العقدي.
واليوم، يتأكد أن العودة إلى جوهر الدولة المدنية والمسؤولية الوطنية المشتركة، وتثبيت أركان المواطنة والاعتدال، هما السبيل الوحيد لتجاوز آثار هذه الحقبة المأزومة، وتأسيس أفق إنساني يتسع للجميع وتصان فيه كرامة الإنسان وسلم المجتمعات.
