تحذير.. هذا المقال فلسفي إلى حد كبير.

خدعونا فقالوا إن الاستمتاع بحاجة للتخطيط؛ نخطط للسفر لنستمتع بتغيير النفسية، ونحجز للمطاعم للاستمتاع بمذاق الأكل، ونشتري الأشياء لمتعة مواكبة الموضة، وكأن المتع لا تأتي إلينا إلا بعد أن نبذل جهدا للوصول إليها، حتى الراحة أصبحت مشروعا يحتاج لوقت ومال وترتيب.

لكن ماذا لو كان هنالك نوع آخر من المتعة؛ متعة لا تحتاج إلى شيء.
أن تستمتع باللا شيء، لا يعني أن تكون فارغا وعاجزا عن فعل شيء؛ ولكن أن تصل للحظة لا تحتاج فيها إضافة أي شيء لحياتك كي تشعر بأنها مكتملة.
اجلس فقط؛ لا تخطط، لا تبحث، لا تستهلك، لا تحاول أن تصنع لحظة استثنائية دع اللحظة العادية تكون كافية بذاتها انظر من النافذة، تأمل الضوء، استمع لصوت الهواء، اشعر بقدميك على الأرض، اجلس على أريكتك وأغمض عينيك؛ وربما في لحظة أكثر بساطة لا تفعل شيئا على الإطلاق.

فكر في جسدك قليلا أنت الآن لا تفعل شيئا تقريبا، ومع ذلك هنالك عالم كامل يعمل داخلك؛ قلبك ينبض دون أن تطلب منه، ورئتاك تستقبلان الهواء وتخرجانه، وخلاياك تؤدي وظائفها، وأعضاؤك تعمل في صمت، دون أن تقدم لها تعليمات أو تدفع لها محفزا أو تضع لها جدولا زمنيا.

أليس في هذا وحده ما يستحق الاستمتاع؟
نحن نبالغ أحيانا في اعتقادنا أن الحياة تحتاج دائما لفعل شيء كي نشعر بقيمتها؛ نركض خلف الإنجاز، ثم نبحث عن المكافأة، وبعدها نتلمس طريقة أخرى لنستعيد طاقتنا المستهلكة، وننسى بأننا لسنا آلات، ونحتاج لذلك الانفصال المؤقت.

هنالك مساحة يكون أعظم ما يمكننا فعله فيها ألا نفعل شيئا.
أن نمنح أنفسنا دقائق مطولة، لا نطلب منها شيئا؛ لا سرعة، لا تطوير، لا أهداف، لا تحسين مستمر؛ فقط اترك المجال لـ«اللا شيء» أن يصنع لك المتعة.
فاللا شيء ليس هدرا ولا وقوفا على هامش الحياة؛ أحيانا هو الانفصال الذي تظهر خلاله نعمة الحياة.

حين تتوقف قليلا، قد تكتشف أن الأشياء التي ألفت ألا تراها كانت طوال الوقت تمنحك متعتها الهادئة: كوب الماء، دفء الشمس، صوت شخص تحبه، رائحة المكان، هدوء المساء، سكون الهواء؛ وكونك قادرا على التنفس أعظم متعة.
الاستمتاع لا يحتاج دائما لتكلفة، ولا مال، ولا مناسبة ولا انتقال.

أحيانا يكفي أن تكون في «الآن»، أن تدرك أنك «هنا»، وأن الحياة تتحرك بك وبمن حولك دون أن تطلب منك أن تفعل شيئا كي تستحقها وتستحقك؛ لذلك لا تبحث دائما عن التكلف في كل شيء.

استمتع بأنك موجود في هذا الوجود، وامنح «للا شيء» قليلا من وقتك لتكتشف أن ما كنت تظنه «لا شيء» كان في الحقيقة أهم شيء؛ أن تكون حيا ترزق؛ تعي وتدرك هو أفضل شيء.

Yos123Omar@