حين يصبح الأخ شريكا: من يحفظ إرث العائلة؟
بسمة أبوبكر خوجة3 دقائق للقراءةحجم الخط
﴿سنشد عضدك بأخيك﴾.. سورة القصص، الآية 35.
في هذه الكلمات معنى عميق للسند الذي يمثله الأخ في حياة أخيه. شخص يكبر معك، يعرف تفاصيل طفولتك، ويشاركك ذكريات لا يعرفها سواكما. لكن ماذا يحدث حين يصبح هذا الأخ شريكا في العمل، وربما منافسا على قيادة إرث العائلة؟
تبدأ الحكاية قبل تأسيس الشركة بسنوات. في بيت واحد، يكبر الإخوة، يلعبون، يختلفون، ثم يتصالحون. وقد يدافع أحدهم عن الآخر إذا أخطأ، أو يكون أول من يلجأ إليه في لحظة خوف. وفي بعض البيوت، تتسلل المقارنة إلى هذه العلاقة: أحدهم أعلى درجات، وآخر أكثر حضورا، وثالث يوصف بأنه الأقرب إلى والده. قد تمر هذه العبارات عابرة على من يقولها، لكنها تبقى في ذاكرة من يسمعها.
ليست كل مقارنة بداية خصومة، كما أن المنافسة بين الإخوة لا تعني غياب المحبة. فقد تدفعهم إلى الاجتهاد، وقد يتعلمون منذ الصغر أن نجاح أحدهم مكسب للجميع. لكن الشعور المتكرر بأن أحدهم أقل تقديرا قد يرافقه إلى مراحل لاحقة، حتى وإن لم يتحدث عنه.
يكبر الأبناء، وتتباين طموحاتهم ودراستهم وخبراتهم. وفي الوقت نفسه، يكبر مشروع أسسه الأب بجهده، ليصبح شركة تحمل اسم العائلة وقصة كفاحها. يشرك بعض الآباء أبناءهم في العمل مبكرا، بينما يشجعهم آخرون على اكتساب خبرة خارجه قبل العودة إليه. يدخل كل منهم الشركة من طريق مختلف، حاملا معه تصورا عن دوره ومستقبله ومكانته.
هنا قد تأخذ المنافسة شكلا جديدا. لم يعد السؤال: من حصل على الدرجة الأعلى؟ بل: من يثق الأب بقراراته؟ من يتحمل المسؤولية الأكبر؟ ومن سيقود الشركة من بعده؟ وقد تختلط الرغبة في خدمة العمل بالرغبة في إثبات الذات والحصول على تقدير الأب.
ثم تأتي لحظة انتقال القيادة، بالتقاعد أو المرض، وقد تأتي فجأة بوفاة المؤسس. ومع ألم الفقد، تجد الأسرة نفسها أمام قرارات لم تعد تحتمل التأجيل. وإذا لم تكن الأدوار ومعايير اختيار القيادة واضحة، فقد يفهم تعيين أحد الإخوة بوصفه حكما على قيمة البقية، لا قرارا يتعلق بمتطلبات الشركة.
عندها قد يبدو الخلاف حول منصب أو صلاحية أو عائد مالي، بينما يحمل في داخله أسئلة أقدم: هل كان جهدي مقدّرا؟ هل أتيحت لي الفرصة نفسها؟ ولماذا اختير أخي؟
وفي بعض الحالات، يمتد الخلاف من غرفة الاجتماعات إلى مائدة الأسرة. تقل الزيارات، وتصبح الأحاديث أكثر حذرا، ويبتعد إخوة جمعهم عمر كامل من الذكريات. وقد تبقى الشركة قائمة، بينما تفقد العائلة شيئا يصعب تعويضه.
لكن هذه النهاية ليست حتمية. تستطيع رابطة الإخوة أن تمنح الشركة ثقة وتكاملا وقدرة على مواجهة الأزمات، حين يجد كل فرد مساحة يسهم فيها بخبرته، دون أن يحتاج إلى التقليل من أخيه ليؤكد قيمته.
ولهذا، فإن حماية العلاقة تحتاج إلى ترتيبات واضحة: شروط معلنة للانضمام إلى العمل، ومسؤوليات محددة، ومعايير مفهومة لتقييم الأداء واختيار القيادة، ومساحة للحوار وتسوية الخلافات. فالعدل لا يعني أن يتولى الجميع المنصب نفسه، لكنه يتطلب أن يفهم الجميع أساس القرار، وأن يشعروا بأن أصواتهم مسموعة وكرامتهم محفوظة.
ومن مسؤولية المؤسس أن يهيئ أبناءه للعمل معا، وأن يناقش مستقبل القيادة وهو حاضر بينهم. ومن مسؤولية الأبناء أن يدركوا أن اختلاف أدوارهم لا ينتقص من مكانتهم في الأسرة، وأن رئاسة الشركة لا تمنح صاحبها سلطة على إخوته خارجها.
إرث الأب يحمل سنوات تعبه، ويحمل أيضا أمله في أن يظل أبناؤه متماسكين. وحين نفكر في مستقبل الشركات العائلية، يستحق سؤال العلاقة اهتماما بقدر سؤال القيادة: كيف يستمر العمل، ويظل الأخ سندا لأخيه؟
