المملكة تحتفي في 5 أكتوبر بصُنّاع المستقبل.. مسيرة بدأت بأربع مدارس في مكة ووصلت اليوم إلى 26 ألف مدرسة تدرّس لغة المستقبل.

«لو لم أكن ملكاً لوددت أن أكون معلماً».. بهذه الكلمات الخالدة التي خطها الملك فيصل بن عبدالعزيز - طيب الله ثراه - اختصرت المملكة فلسفتها التعليمية، فالدولة التي قامت على التوحيد، قامت على العلم.

وفي الخامس من أكتوبر، إذ يحتفي العالم بالمعلم، فإن المملكة لا تحتفي بيومٍ عابر، بل تحتفي بمسيرة قرنٍ كامل، انطلقت شرارتها الأولى من جوار الكعبة المشرفة.

- التأسيس.. من مكة انطلق النور
قبل قرنٍ من الزمان، كان التعليم في الجزيرة العربية محصوراً في الكتاتيب وحلقات المساجد. وفي عام 1343هـ، دعا الملك المؤسس عبدالعزيز -رحمه الله- علماء مكة المكرمة إلى اجتماعٍ تاريخي، حثهم فيه على نشر العلم في أرجاء البلاد.

وبعدها بعامٍ واحد، وتحديداً في الأول من رمضان 1344هـ الموافق 1926م، أُنشئت مديرية المعارف في مكة المكرمة، لتكون أول كيان نظامي يشرف على التعليم في البلاد، وتُعد -كما توثق وزارة التعليم- حجر الأساس لنظام التعليم الحديث.

بدأت المديرية بأربع مدارس ابتدائية فقط في الحجاز، لكنها لم تلبث أن توسعت مع توحيد المملكة، حتى بلغ عدد مدارسها 323 مدرسة. وفي عام 1346هـ، صدر قرار تشكيل أول مجلس للمعارف، وأُقر أول نظام للمدارس عام 1347هـ، ليضع اللبنة التنظيمية الأولى.

وتوالت التحولات المفصلية، ففي عام 1373هـ تحولت المديرية إلى وزارة المعارف وكان أول وزير لها الملك فهد بن عبدالعزيز -رحمه الله-. وفي عام 1380هـ، كانت النقلة النوعية الأخرى بإنشاء الرئاسة العامة لتعليم البنات بـ 15 مدرسة ابتدائية ومعهدٍ واحدٍ لإعداد المعلمات، إيذاناً بدخول المرأة السعودية عصر التعليم النظامي.

ثم جاء المرسوم الملكي في عام 1423هـ بضم الرئاسة إلى وزارة المعارف، وفي عام 1424هـ تغير المسمى إلى وزارة التربية والتعليم، وصولاً إلى الأمر الملكي الكريم عام 1436هـ في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، بدمج التعليم العام والتعليم العالي في كيانٍ واحد هو وزارة التعليم.

- السنوات الثلاث.. من الطباشير إلى الخوارزميات
إذا كانت المائة عام الماضية هي حكاية بناء المدارس، فإن السنوات الثلاث الأخيرة هي حكاية بناء العقول.

ففي سابقةٍ تعد الأولى من نوعها عربياً، أعلن المركز الوطني للمناهج بالشراكة مع وزارة التعليم ووزارة الاتصالات وتقنية المعلومات والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، عن إدراج منهج الذكاء الاصطناعي كمادة إلزامية في جميع مراحل التعليم العام ابتداءً من العام الدراسي 2025 - 2026م، وفق ما بثته وكالة الأنباء السعودية (واس) في 10 يوليو 2025م.

ولم يكن القرار نظرياً، بل جاء متدرجاً ومدروساً. فقد أطلقت سدايا بالتعاون مع التعليم مقرراً تأسيسياً بعنوان «المدخل إلى الذكاء الاصطناعي» لطلاب الصف الثالث الثانوي خلال مؤتمر مبادرة القدرات البشرية في أبريل 2025م، كمرحلة أولى لتعميم التقنية على نطاقٍ وطني.

ولم يقف التحول عند التعليم العام، بل امتد إلى الجامعات، حيث أُلزم جميع طلاب مرحلة البكالوريوس بمختلف التخصصات، من الطب والهندسة إلى العلوم الإنسانية، بدراسة مقررٍ أساسي في أساسيات البيانات والذكاء الاصطناعي، يركز على التطبيقات العملية وأخلاقيات الاستخدام، تحقيقاً لمستهدفات برنامج تنمية القدرات البشرية أحد برامج رؤية المملكة 2030، بأن تكون المملكة ضمن أفضل 15 دولة في الذكاء الاصطناعي.

- تفوق الحكومي.. الجودة لا الدعاية
ورغم نمو التعليم الأهلي الذي يستوعب اليوم نحو مليون طالب وطالبة مقابل خمسة ملايين طالب في التعليم الحكومي بنسبة 17%، إلا أن أرقام الجودة المقاسة تؤكد أن الريادة لا تزال للمدرسة الحكومية.

وبحسب ما أعلنته هيئة تقويم التعليم والتدريب في الملتقى الوطني للتميز المدرسي 2025، فقد ارتفعت نسبة المدارس التي حققت مستويات التميز إلى 18% خلال عام 2025، مع انخفاض تاريخي في عدد المدارس ذات الأداء المنخفض إلى ست مدارس فقط على مستوى المملكة.

كما تم تكريم 760 مدرسة متميزة على مستوى الوطن، غالبيتها حكومية، في إنجازٍ غير مسبوق. فالمملكة ولأول مرة، أنجزت تقويماً شاملاً لجميع مدارسها البالغ عددها أكثر من 26 ألف مدرسة في أكثر من 2200 مدينة وقرية وهجرة، عبر تنفيذ ما يقارب مليون ونصف زيارة صفية ومقابلة، ومئات الآلاف من الرحلات الميدانية.

هذا التقويم الموضوعي عبر اختبارات «نافس» الوطنية ومنصتي «تميز» و«مستقبلهم»، هو ما يصنع الفارق الحقيقي. فالمعلم الحكومي اليوم يخضع للرخصة المهنية، والتقويم الخارجي، والتدريب المستمر على أدوات الذكاء الاصطناعي، ويصل عطاؤه إلى أبعد هجرة في الربع الخالي، وهو ما لا توفره المدرسة الخاصة التي تتركز في المدن الكبرى.

إن الدولة حين تعتبر التعليم الحكومي مشروع أمنٍ وطني، وليس مشروعاً ربحياً، فهي تزرع المستقبل.

من لوحٍ خشبي من خشب الأثل في مسجدٍ بمكة عام 1344هـ، إلى مقرر ذكاءٍ اصطناعي في كل فصل عام 1447هـ، ومن أربع مدارس في الحجاز إلى 760 مدرسة متميزة.. تظل الكلمة الخالدة هي العنوان: شكراً صُنّاع المستقبل.