المشكلة اليمنية يمنية: قراءة في المادة الأولى من الدستور اليمني
عبدالله قاسم العنزي4 دقائق للقراءةحجم الخط
لا تبدأ المشكلة اليمنية من الحدود السعودية، ولا تنتهي عند الموقف السعودي من جماعة الحوثي؛ بل إن أصلها، في جوهرها، مشكلة يمنية تتصل بإرادة اليمنيين في استعادة دولتهم وتحديد مستقبل بلدهم. وهذه الحقيقة يمكن قراءتها في المادة الأولى من الدستور اليمني، التي تنص على أن اليمن دولة تقوم على الإرادة الشعبية والمواطنة المتساوية وسيادة القانون، وتؤكد أنها وحدة لا تتجزأ، كما نصت المادة الخامسة على أن الشعب هو مالك السلطة ومصدرها.
ومن هنا، فإن على الحكومة الشرعية أن تعمل على تفعيل النصوص الدستورية وإنفاذها، غير أن ما يعنينا في هذه القراءة، على وجه الخصوص، هو مبدأ الإرادة الشعبية الذي جعلته مسودة الدستور أساسا من أسس الدولة. فالدولة التي تقوم على إرادة شعبها لا يمكن أن يصبح مستقبلها مرهونا بإرادة جماعة إرهابية مسلحة، أو بحسابات قوى سياسية متفرقة، أو بخلافات داخلية تؤخر استعادة الدولة ومؤسساتها. وتزداد دلالة ذلك حين تُقرأ المادة الأولى إلى جانب المادة الحادية عشرة، التي تنص على التزام الدولة، وفق سياسة وطنية، بمكافحة الإرهاب بجميع صوره وأشكاله.
وهنا يظهر جوهر المسألة؛ فإذا كانت الدولة اليمنية تقوم على الإرادة الشعبية، فإن مواجهة الحوثيين لا ينبغي أن تبقى مشروعا تنتظر نتائجه من الخارج، وإنما ينبغي أن تتحول إلى إرادة يمنية جامعة، تتقدم فيها المصلحة الوطنية على الحسابات الخاصة. فالدعم الخارجي، مهما اتسع، لا يستطيع أن يحل محل الإرادة الوطنية، ولا يمكن لدولة أن تستعيد عافيتها إذا بقيت قواها السياسية والعسكرية متباينة في أهدافها وحساباتها.
أما المملكة العربية السعودية، فإن علاقتها بالملف اليمني لا يمكن اختزالها في صورة خصومة سعودية - حوثية؛ فالمملكة تعرض تدخلها ودعمها في إطار مساندة الحكومة اليمنية وحماية أمنها الوطني وأمن المنطقة، وقد استمر دعمها الاقتصادي والإنساني والتنموي طوال الأزمة اليمنية. فقدمت المملكة دعما للموازنة اليمنية وتغطية للنفقات التشغيلية والرواتب، وقدمت كذلك دعما عاجلا للمشتقات النفطية لتشغيل محطات الكهرباء، إلى جانب مشاريع ومساعدات متعددة في المجالات الإنسانية والتنموية.
ولم يتوقف الدعم عند المال والخدمات، بل امتد إلى الجانب الإنساني، ومن ذلك مشروع «مسام» لتطهير الأراضي اليمنية من الألغام، إلى جانب المشاريع الغذائية والصحية والإغاثية التي تتواصل في عدد من المحافظات اليمنية. ولذلك فإن اختزال الموقف السعودي في العمل العسكري وحده يتجاهل جانبا واسعا من طبيعة الدور السعودي في اليمن، وما قدمته المملكة للشعب اليمني على مدى سنوات الأزمة.
غير أن استمرار الأزمة يطرح سؤالا يمنيا أكثر منه سعوديا: متى تتحول القوى اليمنية المناهضة للحوثيين إلى إرادة سياسية وعسكرية متماسكة؟ فالأحداث الأخيرة في الساحل الغربي، ولا سيما ما جرى في المخا وذو باب وباب المندب، تكشف حالة الارتباك التي طالت القوات المشاركة، من ألوية العمالقة وتشكيلات المقاومة الوطنية، وقوات طارق وغيرها، وقد نتج عن ذلك ترك السلاح والعتاد بصورة فاجأت الشعب اليمني، وهو ما يطرح تساؤلات حول مستوى اليقظة والتنسيق المشترك بين القوات المشاركة، ومدى فاعلية الاستراتيجية العسكرية في إدارة المعركة.
وفي المقابل، فإن السعودية، بحكم أمنها الوطني، معنية بحماية أراضيها من الهجمات، لكنها ليست مطالبة بأن تحمل وحدها عبء النهوض بالإرادة الشعبية اليمنية. كما أن المملكة لا تريد أن تنزلق خلف الاستفزازات الإرهابية الحوثية إلى جعل الأرض اليمنية مسرحا مفتوحا للقتال، بما يؤدي إلى اتساع دائرة الدم والدمار، وهو ما قد يخدم في النهاية أهداف الجماعة التي تسعى إلى إبقاء اليمن في حالة صراع واستنزاف مستمرَّين.
وهنا لا يعود السؤال: ماذا ستفعل السعودية؟ بل يصبح السؤال الأهم: ماذا سيفعل اليمنيون؟ إذ إن تجاوز الأزمة لا يكون بتأجيلها المستمر، ولا بإلقاء مسؤولية الحل على الحلفاء، وإنما ببناء إرادة يمنية تتفق على الدولة، وتقدم المصلحة الوطنية، وتواجه خطاب التضليل والتحريض، وتمنع تحويل الخلافات السياسية إلى عائق أمام استعادة مؤسسات الدولة.
وإن اليمن لا يحتاج إلى مزيد من الانتظار بقدر حاجته إلى إرادة وطنية جامعة؛ إرادة لا تجعل السعودية عدوا لمجرد أنها تساند اليمن، ولا تجعل الحوثي ممثلا للشعب لمجرد امتلاكه بعض نقاط القوة، ولا تسمح للحسابات الخاصة بأن تطغى على مصلحة دولة بأكملها. فالمشكلة، في جوهرها، يمنية، والحل الذي يمنحها دواما واستقرارا لا بد أن يبدأ من اليمنيين أنفسهم.
expert_55@
