أشرت في مقال سابق بعنوان «إسرائيل... أهدافها غير المعلنة» إلى أن أهداف الحرب التي رددها الإعلام الدولي هي أهداف إما أنه لا يمكن تحقيقها عن طريق الحرب، أو أنه لم تكن هناك حاجة إلى الحرب لتحقيقها.

كما أشرت إلى أن الأهداف الحقيقية - غير المعلنة - للحرب لا تخدم مصلحة أمريكا ولا مصلحة إيران، وأن إسرائيل استطاعت خداع الإدارة الأمريكية حتى تدخلها في حرب لا تحقق مصالحها، بينما تحقق مصالح إسرائيل عن طريق استدراج دول مجلس التعاون الخليجي إلى المشاركة في الحرب على إيران، ردا على العدوان الإيراني الذي كان معلوما أن دول المجلس سوف تتعرض له.

فإسرائيل كانت تريد أن يؤدي الهجوم الإيراني على دول مجلس التعاون إلى استدراجها للوقوع في فخ المشاركة في الحرب، حتى تتحول من حرب إسرائيلية - أمريكية على إيران إلى حرب إقليمية تدمر الطرفين المتقاتلين على جانبي الخليج... بينما إسرائيل ذاتها انسحبت من ميدان المعركة المباشرة مع إيران منذ 6 يونيو/حزيران من هذا العام، تاركة أمريكا وحدها في الميدان.. فالهدف النهائي - والواضح - من هذه الحرب هو تحقيق مصالح إسرائيلية، ولا يمكن تحقيق تلك المصالح من دون استدراج دول مجلس التعاون إلى الحرب مع إيران.

لكن السعودية لم تنخدع، كما أشار سمو الأمير تركي الفيصل - الرئيس الأسبق للاستخبارات السعودية - في مقال بعنوان «هكذا نجح محمد بن سلمان». فقد قرأت القيادة السعودية الصورة بوعي وتعاملت بحكمة مع عدوان إيران على دول مجلس التعاون وتصريحاتها الاستفزازية: فرفضت أن يتم استدراجها إلى الحرب، وتحركت بهدوء وذكاء حتى تقود دول الخليج إلى حماية المنطقة - وربما حماية العالم - من الخطر الذي سوف تمثله «إسرائيل الكبرى».

وهو أيضا ما تدركه دول الخليج: كما عبر عن ذلك حمد بن جاسم آل ثاني، رئيس الوزراء القطري الأسبق، في تصريح له مع هيئة الإذاعة البريطانية BBC في مارس/آذار من هذا العام.

وبعد أكثر من ستة أشهر من الحرب أصبح واضحا مدى فشل استدراج دول مجلس التعاون إلى الدخول في الصراع، وكان ذلك أساسا بسبب قوة الموقف السعودي.

عندها تم قصف خط أنابيب «شرق - غرب» وإغلاق مضيق باب المندب، لفرض المواجهة العسكرية ما بين دول مجلس التعاون وحلفاء إيران، والضغط على السعودية بصفة خاصة، بحكم أنها الدولة الأكبر والأقوى تأثيرا في المنطقة، وكذلك لأن السعودية وقفت موقفا مشرفا وأعلنت بوضوح أن العلاقات مع إسرائيل لن تكون ممكنة إلا إذا كان هناك «مسار غير قابل للتراجع» نحو دولة فلسطينية.

وهنا يلاحظ مدى تضخيم الإعلام الدولي لقدرات الحوثيين الذين أغلقوا مضيق باب المندب، إلى حد القول إن أمريكا تخشى الصدام معهم!.. حتى يصبح أي طرف قادر على إنقاذ دول مجلس التعاون من خطر الحوثيين هو الطرف الذي لا غنى عنه لأمن المنطقة (وسوف يفرح الحوثيون بهذا التضخيم الإعلامي لقدراتهم، إلى أن تأتيهم ضربة لا يتوقعونها).

كما أن الإعلام الدولي يتحدث منذ فترة عن تقلص حجم القوات الأمريكية في الخليج وتراجع النفوذ الأمريكي في المنطقة بشكل غير مسبوق... وأن التواجد العسكري الأمريكي على وشك نهايته في أهم قاعدتين في المنطقة: قاعدة العديد في قطر، وقاعدة الأسطول الخامس في البحرين... وإذا حصلت المواجهة المطلوبة ما بين دول مجلس التعاون وبين إيران وحلفائها في وقت يمكن أن تنسحب فيه أمريكا من الحرب بسبب الصعوبات الكبيرة التي تواجهها منذ فترة، أو بذريعة ضرورات الانتخابات النصفية الأمريكية أو غيرها، فعندها سوف تبقى دول المجلس وحدها في المواجهة، وإذا تزامن ذلك مع عودة إسرائيل إلى ميدان المعركة المباشرة مع إيران، وأظهرت إسرائيل أمام العالم «قدراتها الاستثنائية» على هزيمة الحوثيين، فإن ذلك سوف يكون بمثابة إعلان من إسرائيل أنها أصبحت «شرطي المنطقة» الذي لا يمكن الحفاظ على أمن المنطقة من دونه.

والهدف هو دفع دول المجلس للدخول في علاقات استراتيجية مع إسرائيل دون التزام إسرائيلي مقابل بشأن القضية الفلسطينية، كما اشترطت السعودية وكما حددت مبادرة السلام العربية.

فالضغوط على دول مجلس التعاون تهدف أيضا إلى تصفية القضية الفلسطينية: بأن تضطر دول المجلس إلى الدخول في اتفاقيات مع إسرائيل دون مقابل إنشاء دولة فلسطينية كما اشترطت السعودية، بل وتحويل الاتفاقيات مع إسرائيل من «اتفاقيات تطبيع» اقتصادية وسياسية، إلى «تحالفات استراتيجية» تعيد صياغة المنطقة بحيث تصبح إسرائيل القوة الإقليمية المهيمنة regional hegemon.

وعندها يمكن لإسرائيل تحقيق أهم مشاريعها الاستراتيجية:
مشروع تصدير نفط الخليج من خلال خط أنابيب ينتهي بميناء إسرائيلي، وهو مشروع يتخطى مضيق هرمز ويسمح لإسرائيل أن تتحكم في أهم سلسلة توريد طاقة في العالم، ومشروع «الممر الاقتصادي بين الهند والشرق» India–Middle East–Europe Economic Corridor، وهو طريق يتخطى قناة السويس ومضيق باب المندب، ويجعل من إسرائيل البوابة الرئيسية على البحر الأبيض المتوسط للتجارة ما بين الشرق والأسواق الأوروبية، وبذلك تصبح إسرائيل القوة المركزية التي تتحكم في تدفق النفط والتجارة والسلاح والتكنولوجيا المتقدمة والبيانات في المنطقة، ما يؤدي إلى أن تصبح إسرائيل أحد أهم المحاور العالمية للاقتصاد والطاقة.

وإذا أخذنا في الاعتبار أن إسرائيل قوة نووية، وسطوتها الإعلامية الدولية، واختراقها الاستخباراتي والسياسي لأهم الحكومات الغربية، فقد يؤدي كل ذلك إلى أن تصبح إسرائيل محورا لنظام عالمي جديد يتشكل أمامنا، تكون فيه الهيمنة اليهودية Pax Judaica حقيقة واقعة.. كل ذلك يصعب على إسرائيل تحقيقه من دون استدراج دول مجلس التعاون إلى الحرب.

وهنا يجب القول: أصبح العالم كله يدفع ثمن أطماع إسرائيل؛ فحتى لو ابتعدنا عن الجانب الإنساني، أو التاريخي، أو الديني، أو العسكري، أو الحقوقي، أو الأخلاقي، إلخ، واكتفينا بالنظر فقط إلى الجانب الاقتصادي في السنة الأخيرة وحدها، فسوف نجد أن نسبة الارتفاع الإجمالية لأسعار الطاقة عالميا قد بلغت أكثر من 50% مقارنة بمستويات منتصف العام السابق، ما لا بد أن يؤدي إلى ارتفاع فاتورة الطاقة وتباطؤ النمو والاستثمار والاستهلاك ومصاعب اقتصادية في أغلب دول العالم (ولذلك نرى الإعلام الدولي يحاول التقليل من شأن هذا الجانب وعدم إبرازه).

وسوف يبقى العالم يدفع أثمانا باهظة - على جميع المستويات - طالما بقي المشروع الإسرائيلي.

وكما أشرت في مقال سابق، فإن إسرائيل تحقق أهدافها عن طريق الخداع by way of deception، وهذه الحرب التي بدأت بذريعة منع سلاح نووي غير موجود، وانتهت بهدف فتح مضيق كان مفتوحا، لن تكون آخر الحروب... ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين.