بين الحقيقة والترويج والتضليل: ميزان المصداقية في صناعة الاتصال المعاصر
عبدالله علي بانخر3 دقائق للقراءةحجم الخط
يشهد العالم اليوم تحولات هيكلية متسارعة في البنية الاتصالية، ألغت الحدود الفاصلة بين الحقول المعرفية والمهنية للإعلام، والإعلان، والدعاية. ولم يعد هذا التداخل الملموس مجرد مسألة نظرية تناقش في أروقة الأكاديميات، بل استحال تحديا أخلاقيا وقانونيا يمس جوهر الوعي المجتمعي ومصداقية وسائل الاتصال والمؤسسات على حد سواء. فالخلط المتعمد أو العشوائي بين هذه المسارات الثلاثة يتجاوز مجرد الخلل الميداني، ليصبح مخالفة صريحة تتحول في التشريعات الحديثة إلى تضليل يحاسب عليه القانون.
البناء المفاهيمي: حقيقة الأهداف والممارسات
لإزالة اللبس الشائع في الممارسات اليومية، يغدو من الضروري تحديد المعالم الدقيقة لكل مفهوم من هذه المفاهيم الاتصالية:
الإعلام: يقوم في أصله العلمي والمهني على الجمع المنهجي للحقائق والأخبار وتحليلها بنزاهة وموضوعية. وهدفه الأساسي تقديم المعرفة المتوازنة والمجردة للمجتمع، دون السعي لخلق منفعة تجارية خاصة أو توجيه قسري للمتلقي.
الإعلان: نشاط اتصالي اقتصادي مدفوع الأجر، صريح وشديد الوضوح من حيث جهته المعلنة. ويهدف إلى التسويق لسلعة أو خدمة أو فكرة بالاعتماد على الصدق التجاري والإفصاح الكامل، دون ممارسة غش أو تضليل للمستهلك.
الدعاية: جهد منظم ومقصود للسيطرة على الآراء والاتجاهات عبر توظيف المؤثرات العاطفية والرموز. وفيها تُطوَّع الحقائق أو تُجزَّأ لخدمة أهداف ومصالح محددة لقائم بالاتصال، دون التزام بتقديم الصورة الكاملة أو المتوازنة.
ميزان المصداقية وركائز المصلحة
تتجلى الفروق البنيوية بين هذه الأنماط حين نزن كلا منها بميزان المصداقية وتوزيع المنفعة:
الإعلام (المصلحة العامة - معيار 100%): يتطلب الإعلام موضوعية تامة تنشد الصدق المطلق؛ نظرا لأن القيمة العليا هنا هي خدمة المصلحة العامة وتمكين أفراد المجتمع من رؤية الحقيقة كما هي لتشكيل قناعاتهم بوعي واستقلالية.
الإعلان (المصلحة المشتركة - معيار 50% «فوز- فوز»): يستند الإعلان إلى مبدأ المصلحة المشتركة بين المعلن والمتلقي. فالمنفعة فيه متوازنة؛ حيث يحقق المعلن عائده التجاري مقابل تقديم مادة ترويجية صادقة تلبي حاجة حقيقية للمستهلك. ولا يجوز قانونا أو أخلاقيا أن تهبط مصداقية المادة الإعلانية عن هذا الحد، وإلا دخلت في طائلة الغش والخداع.
الدعاية (تغليب مصلحة القائم بالاتصال > 50%): تنطلق الدعاية من تغليب مصلحة الموجه على مصلحة الجمهور بما يزيد عن 50%. فالمحتوى يركز بوضوح على تحجيم أو تضخيم زوايا محددة لخدمة الأجندة الخاصة للجهة القائمة بالاتصال على حساب التوازن والمعرفة المجردة.
التنظيمات الدولية والريادة الوطنية
لم يعد ضبط المنظومة الاتصالية حبرا على ورق في مواثيق الشرف التقليدية، بل أضحى منظومة حوكمة رقمية عالمية تنفذ عبر الخوارزميات، والسياسات الصارمة للإفصاح عن المحتوى المدعوم، والتشريعات العابرة للقارات.
وعلى الصعيد المحلي، تقود المملكة العربية السعودية نموذجا حازما ورياديا في ضبط المشهد الاتصالي. فقد أرست الهيئة العامة لتنظيم الإعلام والأنظمة التجارية ذات الصلة أطرا تشريعية واضحة تفصل بصرامة بين العمل التحريري والمساحات الإعلانية. وتلزم الأنظمة المؤثرين والوسائلَ الاتصالية بالإفصاح الشفاف والواضح عن المادة الإعلانية، مع حظر الممارسات المضللة، أو تقديم الإعلان في صورة تجارب عفوية كاذبة، أو المساس بالقيم والمظهر العام، صيانة لحقوق المستهلك وأمن المجتمع المعرفي.
حتمية الوعي ورسالة المستقبل
إن الفصل بين الإعلام والإعلان والدعاية ليس مجرد ترف أكاديمي أو تنظيمي، بل هو حجر الزاوية في بناء ثقة الجمهور وصيانة واستدامة صناعة الاتصال. فإذا كان الإعلام محرابا للمصلحة العامة والإعلان مساحة للمصلحة المشتركة العادلة، فإن الوعي المجتمعي والالتزام القانوني كفيلان بكبح طغيان الدعاية والتضليل، بما يحفظ للإعلام رسالته وللسوق نزاهته.
aabankhar@
