الغلف في منطقة جازان.. نبات متسلق يجمع التنوع البيئي والموروث الغذائي
مكة
جيزان3 دقائق للقراءة



F10890911
حجم الخط
تحتفظ منطقة جازان في امتداد سهولها وأوديتها ومرتفعاتها الجبلية بتنوع نباتي شكل جزءا من ملامح بيئتها وذاكرة أهلها؛ ومن بين نباتاتها البرية يبرز «الغلف»، متسلقا الأشجار والصخور، بخصائص مكنته من التكيف مع موائله، فيما امتد حضوره من بيئته الطبيعية إلى المائدة المحلية، في موروث غذائي تناقلت الأجيال طرائق إعداده والانتفاع به.
ويعرف الغلف علميا باسم (Cissus rotundifolia)، وينتمي إلى الفصيلة الكرمية (Vitaceae)، وهو نبات بري معمر من المتسلقات، ينتشر في جنوب غرب المملكة، وتلائم نموه البيئات الدافئة والرطبة نسبيا، وتتعدد مواطن وجوده بين السفوح وضفاف الأودية وبطون الشعاب وشقوق الصخور.
ويتميز بسوق لحمية أسطوانية قد تمتد بين (5 - 10) أمتار، ويبلغ عرضها نحو (1.5) سنتيمتر، فيما تساعده المحاليق على التعلق بالأشجار والنباتات المجاورة والصعود عليها، وقد يمتد فوق الصخور أو يزحف على سطح الأرض بحسب طبيعة موقعه.
وقال أستاذ علم البيئة النباتية بقسم الأحياء في كلية العلوم بجامعة جازان، الدكتور يحيى بن سليمان مسرحي، إن أوراق الغلف تتميز بسماكتها وطبيعتها اللحمية (العصارية)، وشكلها شبه المستدير وحوافها المسننة، فيما تظهر أزهاره الصغيرة بلون أصفر مخضر في عناقيد تنشأ عند عقد السيقان الحديثة.
وأضاف أن الطبيعة العصارية للأوراق تمكن النبات من تخزين كميات معتبرة من الماء، وتعزز قدرته على التكيف مع الفترات الجافة، مشيرا إلى أن الغلف يحمل بعد الإزهار ثمارا عنبية صغيرة بيضاوية، تبدأ خضراء ثم تتحول مع النضج إلى الأحمر القاني، وقد تميل إلى اللون الداكن، وتحتوي على بذرة يحيط بها لب لزج مائل إلى البرتقالي المصفر.
ولا يقتصر حضور الغلف في منطقة جازان على قيمته بوصفه نباتا بريا؛ إذ ارتبط بالموروث الغذائي لدى سكان البيئات الجبلية والريفية، الذين استفادوا من أوراقه وأغصانه في إعداد أكلات شعبية توارثتها الأجيال.
ويبرز استخدام الغلف في بعض طرق إعداد الحنيذ، ولا سيما في سهول تهامة والقطاع الجبلي؛ إذ توضع أغصانه وأوراقه مع اللحم أثناء الطهي، وتترك معه لساعات؛ لتكسبه نكهة مميزة، في أحد أوجه توظيف النباتات المحلية في الموروث الغذائي لأهالي منطقة جازان.
ويحضر الغلف في الأسواق الشعبية، ويقبل على شرائه عدد من النساء وكبار السن؛ إذ تسلق أوراقه حتى تنضج، ثم تهرس وتطهى بزيت السمسم، وقد يضاف إليها الفلفل، وتقدم بطعمها الحامض الذي يقارب حموضة الليمون، وتؤكل مع خبز التنور أو اللحوح أو الخبز التقليدي.
ويحتفظ الموروث الشعبي باستخدامات أخرى لأوراق الغلف وسيقانه، منها بعض الممارسات العلاجية التقليدية، والاستفادة من الأوراق قديما في تنظيف وتلميع بعض المصنوعات الفضية، غير أن الاستخدامات العلاجية تظل ضمن الموروث الشعبي، ولا تعد بديلا عن الممارسات الطبية القائمة على الأدلة العلمية.
وتبرز القيمة البيئية للغلف بوصفه جزءا من النسيج النباتي المرتبط بتنوع تضاريس منطقة جازان؛ إذ ينمو في مواطن متعددة، ويستعين بمحاليقه في الامتداد بين الأشجار والشجيرات، بما يعكس خصائصه في التأقلم مع ظروف موائله الطبيعية.
ويمثل الغلف نموذجا لعلاقة أهالي منطقة جازان بموارد بيئتهم الطبيعية، وكيف تحولت معرفتهم بخصائص النبات وطرق الاستفادة منه إلى ممارسات يومية حافظت على حضوره عبر الأجيال، لتبقى قصته شاهدا على خبرة الإنسان بالمكان وما ينمو فيه، وعلى قدرته على استثمار ما تمنحه البيئة من موارد، وتحويلها إلى عناصر حاضرة في تفاصيل حياته وعاداته ومائدته المحلية.
