من أي جيل أنت؟
عبدالله فدعق3 دقائق للقراءةحجم الخط
من أي جيل أنت؟ قد يبدو السؤال غريبا؛ فنحن نعرف أعمارنا، لكن كثيرا منا لا يعرف «جيله» بالمعنى الذي يستخدمه الباحثون في الدراسات الاجتماعية؛ وقد يكون في معرفة ذلك تفسير لشيء من الاختلاف الذي نراه كل يوم بين الوالدين وأولادهما، والمعلمين وطلابهم، والمديرين والموظفين؛ فليس كل اختلاف في التفكير أو السلوك خلافا في القيم، وإنما قد يكون بعضه نتيجة لاختلاف الزمن والبيئة التي نشأ فيها كل جيل.
تقوم فكرة تقسيم الأجيال على أن الذين يولدون في حقبة متقاربة يتعرضون لأحداث وتحولات اجتماعية واقتصادية وتقنية مشتركة، فتتشكل لديهم سمات وتجارب تختلف في الجملة، عن الأجيال السابقة واللاحقة؛ ومع ذلك، فحدود هذه الأجيال تقريبية وليست فواصل علمية صارمة، كما أن الانتماء إلى جيل لا يعني أن جميع أفراده نسخة واحدة؛ وإذا بدأنا بالأجيال التي ما زال حضورها أو أثرها قريبا منا، وجدنا «الجيل الصامت»، وهم مواليد 1928 إلى 1945؛ جيل عاش سنوات الحرب وما حولها، وارتبط اسمه في الدراسات بالانضباط والتحمل وتقدير الاستقرار، ثم جاء «جيل الطفرة»، من 1946 إلى 1964، وسمي بذلك للارتفاع الكبير في المواليد بعد الحرب العالمية الثانية، وبعده «جيل X»، من 1965 إلى 1980، الذي أدرك العالم قبل الثورة الرقمية ثم عاش بداياتها، فكان جسرا بين عالمين، ثم جاء «جيل Y» - أو جيل الألفية - ، من 1981 إلى 1996، وهو الجيل الذي واكب انتشار الحاسب والإنترنت، ودخل شبابه مع الألفية الجديدة، وبعده «جيل Z»، الذي يبدأ من 1997، وهو جيل نشأ أفراده في عالم أصبحت فيه الشبكة والهواتف الذكية ووسائل التواصل جزءا من الحياة اليومية، ثم «جيل ألفا» من 2013، وهو الجيل الذي ولد أفراده في عصر الأجهزة الذكية والمنصات الرقمية، ودخل الذكاء الاصطناعي عالمهم، وهم لا يزالون في سنوات التكوين، وبعده «جيل بيتا» من 2025.
المصادر تختلف في تحديد البداية والنهاية الدقيقة للأجيال، وهو ما يؤكد أن هذه التقسيمات أدوات للفهم وليست حدودا قاطعة؛ وليس المقصود من معرفة هذه الأسماء حفظ الحروف والتواريخ، أو وضع الناس في قوالب جاهزة؛ وإنما أن نفهم لماذا لا تنجح الطريقة نفسها مع الجميع؛ وهنا تأتي الفائدة الحقيقية من معرفة الأجيال؛ فالأب والأم يحتاجان إلى معرفة الجيل الذي ينتمي إليه أبناؤهما، والمعلم إلى معرفة الجيل الذي يجلس أمامه في الفصل، والمدير إلى فهم الأجيال المختلفة في فريق عمله، وكذلك كل من يريد إيصال فكرة أو التأثير في الناس.
أختم المقالة بأن الكلام عن الأجيال لا يعني أن نغير القيم مع كل جيل؛ فالصدق والأمانة والاحترام وتحمل المسؤولية لا تصبح قديمة بتغير السنوات؛ والذي يحتاج إلى التغيير هو طريقة الوصول إليها؛ فقد يحتاج جيل إلى الحوار أكثر من الأمر، وجيل إلى المشاركة أكثر من التلقين، وجيل إلى الاختصار والصورة والتفاعل أكثر من المحاضرة الطويلة؛ وربما كان جانب من «صراع الأجيال» الذي نشتكي منه ليس صراعا أصلا، وإنما حديث بلغتين مختلفتين؛ كل طرف يتحدث باللغة التي تعلمها في زمنه، وينتظر من الآخر أن يفهمها، ولهذا، قبل أن نقول عن أبنائنا أو طلابنا أو شبابنا: «هذا الجيل مختلف»، علينا أن نكمل العبارة فنقول: نعم، هو مختلف؛ وعلينا أن نفهمه قبل أن نحكم عليه، وأن نعرف كيف نخاطبه قبل أن نطالبه بأن يستجيب لنا؛ فالأجيال تتغير، والقيم تبقى؛ والحكمة أن نحفظ الثابت، ونحسن التعامل مع المتغير.
