حين ننظر إلى تاريخ الدول الحديثة نجد أن معظمها نشأ في أوضاع وسياقات سياسية وقانونية جرى فيها تنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع من خلال فرض الدساتير والأنظمة والمؤسسات من قبل النخب السياسية لتنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، أما المملكة العربية السعودية فتمثل نموذجًا مختلفًا في نشأتها وتكوينها؛ إذ قامت على البيعة الشرعية، وعلى وحدة العقيدة والاجتماع تحت راية واحدة، مستمسكة بكتاب الله وسنة رسوله، ومتآلفة القلوب، خلقت علاقة طوعية فطرية ومتجذرة بين القيادة والشعب، عبر التلاحم والثقة والمسؤولية المشتركة. هذا الاندماج الاجتماعي العميق ظل أحد أهم أسرار قوة الدولة السعودية واستقرارها على مدى قرون. فحين قامت الدولة السعودية الأولى، كان المجتمع يعيش تحديات كبيرة تمثلت في تفشي الجهل والمرض، والفقر، والنزاعات القبلية والفرقة، فادرك الإمام محمد بن سعود رحمه الله بنظرة سياسية ثاقبة أن الناس يحتاجون الى سلطان يجمعهم تحت راية واحدة، ويوحد كلمتهم، ويعزز امنهم، ويحفظ حقوقهم، وينشر الاستقرار، ويعيد المجتمع لصفاء الدين ومنهج الكتاب والسنة بعيدًا عن الممارسات الخاطئة والبدع والخرافات التي كانت منتشرة بين الناس. وكان ذلك الإصلاح الديني والاجتماعي حجر الأساس لنهضة اقتصادية وتنموية جعلت الدولة السعودية قوة مؤثرة وذات مكانة واحترام في محيطها الإقليمي، كما هي الان.
ثم شاء الله أن تستمر هذه المسيرة المباركة رغم ما تعرضت له من تحديات وتحولات تاريخية. فبعد الدولة السعودية الأولى عادت الدولة السعودية الثانية، ثم عادت الراية لتُرفع من جديد على يد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود رحمه الله، الذي استطاع أن يوحد البلاد ويؤسس المملكة العربية السعودية الحديثة، لتعود الدولة أقوى وأكثر رسوخًا مما كانت عليه. هذه الاستمرارية للدولة السعودية منذ ما يقارب الثلاثة قرون، دليل على كفاءة الحكم السعودي ونجاحه السياسي وقناعة ومحبة الناس لقيادتهم.
ولعل من أهم ما يميز مشروع الملك عبدالعزيز في توحيد المملكة أنه كان مشروعًا حضاريًا متكاملًا يهدف إلى بناء الإنسان والمجتمع والدولة. فقد أدرك رحمه الله مبكرًا أن التنمية الاجتماعية والاقتصادية والصناعية تحتاج إلى مجتمع مستقر أمن ونظام عام ومؤسسات فاعلة. ومن هذا المنطلق عمل رحمه الله على توطين البادية وتطوير المدن، وهي خطوة تاريخية كان لها أثر بالغ في التحول الحضري الذي شهدته المملكة. ففي بدايات تأسيس الدولة كان سكان المدن لا يتجاوزون 15% من مجموع السكان، لكن بفضل سياسات التنمية والاستقرار ارتفعت معدلات التحضر لتبلغ 85% حتى أصبحت المملكة اليوم من أكثر الدول استقرارًا وتنظيمًا وتطورا في المنطقة.
وأدى هذا التحول الحضري إلى تحول أعمق في الثقافة المجتمعية؛ فقد كان على المجتمع أن ينتقل تدريجياً من أنماط الانتماء المحلي والقبلي إلى فضاء المواطنة الأوسع، ومن الاحتكام إلى الأعراف والسلطات الاجتماعية التقليدية إلى الاحتكام إلى الأنظمة والمؤسسات. وكان ذلك تحولاً كبيراً في بنية المجتمع؛ إذ أصبحت المواطنة هي الإطار الجامع، وأصبح الجميع متساوين أمام النظام، تجمعهم هوية وطنية واحدة، وتكفل لهم الدولة حقوقهم، وتحدد عليهم واجباتهم، وتصدر الأجهزة الحكومية والهيئات النظامية قراراتها وفق قواعد عامة وأنظمة واضحة وأحكام موضوعية. وهكذا انتقل المجتمع، على مدى عقود، من أنماط التنظيم الاجتماعي التقليدية إلى دولة حديثة تقوم على المؤسسات والنظام العام، وأصبح القانون هو الإطار الذي ينظم علاقة الأفراد بعضهم ببعض وعلاقتهم بالدولة. ولم يكن هذا التحول إدارياً أو قانونياً فحسب، بل كان تحولاً في الثقافة الاجتماعية وفي مفهوم المواطنة والانتماء؛ فقد أصبح السعودي، أينما كان في مناطق المملكة، جزءاً من مجتمع وطني واحد، تجمعه الدولة ومؤسساتها ونظامها العام. وفي ظل هذا الاستقرار استطاعت المملكة أن تمضي في مسار طويل من البناء والتنمية، وأن تجمع بين الأمن والاستقرار والتنمية وتعزيز التكاتف الاجتماعي والتلاحم الوطني. ومن هنا يمكن فهم التجربة السعودية باعتبارها مساراً تاريخياً متراكماً؛ بدأ بتوحيد الكلمة وترسيخ الأمن، ثم تطور إلى بناء مؤسسات الدولة، وتحقيق الاستقرار، وتهيئة المجتمع للانتقال إلى مراحل أوسع من التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وهي مسيرة لم تكن مجرد تحول في شكل الحكم أو حدود الدولة، بل تحوّلاً عميقاً في المجتمع نفسه، وهو ما يفسر جانباً مهماً من خصوصية التجربة السعودية كما نراها اليوم.
ولعل من أبلغ الشواهد على عمق هذا التحول ما نسمعه في المجالس السعودية على مدار العام من حديث عن الملك عبدالعزيز، طيب الله ثراه، وعن أبنائه الملوك من بعده؛ حديثاً لا يقتصر على سرد الوقائع التاريخية، وإنما يحمل قدراً واضحاً من الإعجاب والتقدير والمحبة. فالملك عبدالعزيز، في الذاكرة الوطنية السعودية، ليس مجرد شخصية تاريخية أسست دولة، وإنما قائد ارتبط اسمه بمشروع التوحيد، وبالانتقال من سنوات التنازع والفرقة وضعف الإمكانات إلى دولة موحدة استطاعت أن ترسخ الأمن والاستقرار، ثم تبني عليهما مؤسساتها وتنميتها ومستقبلها. ولهذا بقيت قصة التوحيد حاضرة في الوجدان السعودي، لا بوصفها حدثاً من الماضي فحسب، وإنما بوصفها نقطة التحول التي أعادت تشكيل علاقة الإنسان بأرضه ودولته ومجتمعه.
فالمملكة ليست دولة طارئة في التاريخ، وإنما دولة ذات جذور عميقة وممتدة، تعاقب على قيادتها رجال تركوا بصماتهم في التوحيد والبناء وترسيخ مؤسسات الدولة وإدارة شؤونها. وقد أثبتت التجربة أن قوة الدول لا تقاس بما تملكه من موارد فحسب، وإنما بقدرتها على تحويل تلك الموارد إلى تنمية وحياة أفضل للإنسان، وهو ما يتطلب استقراراً سياسياً، وتماسكاً اجتماعياً، ومؤسسات فاعلة، وإدارة كفؤة، ورؤية قيادية قادرة على تحويل الإمكانات إلى إنجازات مستدامة. فهناك دول تملك من الموارد الطبيعية أضعاف ما تملكه المملكة، ومع ذلك لم تستطع أن تحول وفرتها إلى أمن واستقرار ورفاه مستدام لشعوبها، لأن الموارد، مهما عظمت، لا تغني عن الدولة المستقرة والمؤسسات الفاعلة والإدارة الرشيدة.
وهذا يذكرني بعنوان محاضرة ألقيتها قبل سنوات بمناسبة اليوم الوطني «الوطن.. قصة، كيف نرويها؟» وما زلت أجد أن هذا السؤال يستحق التأمل. فالوطن ليس مجرد حدود جغرافية، ولا مؤسسات حكومية، ولا موارد ومنافع اقتصادية؛ وإنما هو منظومة متكاملة من المشاعر والقيم والذكريات والإنجازات، تتشكل عبر الزمن لتصنع وجدان الإنسان وتحدد نظرته إلى وطنه ومكانته فيه. ومن هنا فإن قصة الوطن تُروى بما يشعر به الإنسان من أمن وانتماء وكرامة، وبما يراه من أثر الدولة في حياته وحياة أبنائه، وبما يحمله من ذاكرة مشتركة تجاه الأرض والقيادة والمجتمع.
كثير من الناس لا يدرك قيمة الأمن لأنه يعيش في ظله كل يوم، تمامًا كما لا يشعر الإنسان بقيمة الصحة إلا حين يفقدها. ولهذا فإن من الواجب على الأجيال الجديدة أن تعي حجم نعمة المملكة الوطن، وأن تدرك أن ما نراه من استقرار وازدهار ليس أمرًا اعتياديًا خاصة في عالم يموج بالصراعات والأزمات والمآسي. ويكفي أن نتابع ما يجري في بعض أنحاء العالم لندرك أن ملايين البشر لا يزالون محرومين من أبسط مقومات الحياة الكريمة من أمن وغذاء ومسكن وخدمات أساسية، رغم ما تمتلكه بعض بلدانهم من ثروات وإمكانات. ومن هنا فإن الولاء للوطن والقيادة ليس مجرد شعار يردد في المناسبات أو كلمات تُقال في الأناشيد، بل هو قناعة راسخة تنعكس في احترام القانون، والإخلاص في العمل، والمحافظة على الممتلكات العامة، وتعزيز الإنتاجية، واستثمار الوقت فيما ينفع الفرد والمجتمع. فالوطن منا وإلينا، وكلما أحسن المواطن أداء دوره انعكس ذلك على قوة الوطن وتقدمه.
ويبقى السؤال حاضرًا «الوطن قصة.. فكيف نرويها للأجيال القادمة؟» نجد إجابته في الصورة الذهنية التي نحملها عن وطننا، ودرجة وعينا بتميزه، ونوع المشاعر التي نحتفظ بها في وجداننا. إن سرد قصة الوطن لا يكون بالكلمات وحدها، بل بالعمل والتطوير والمسؤولية. وأفضل رواية نتركها للأجيال هي أن نجسد المواطنة الصالحة؛ صونًا للمكتسبات، وبناءً على الإنجازات، ومشاركة حقيقية في صنع المستقبل. حفظ الله المملكة العربية السعودية، وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار والوحدة، وحفظ قيادتها وشعبها، وأبقى هذا الوطن المبارك نموذجًا في التلاحم والتنمية والازدهار.
اليوم الوطني.. أنت
عدنان عبدالله الشيحة6 دقائق للقراءةحجم الخط
