اليوم الوطني: تجديد للعهد وترسيخ لدولة القانون
عبدالله قاسم العنزي2 دقائق للقراءةحجم الخط
يأتي اليوم الوطني في كل عام بوصفه مناسبة يتجدد فيها معنى الانتماء إلى الوطن، وتستعاد فيها دلالة الوحدة التي قامت عليها المملكة العربية السعودية.
غير أن استحضار هذه المناسبة لا ينبغي أن يقف عند حدود الاحتفال بذكرى التوحيد، وإنما يمتد إلى استحضار ما وصلت إليه الدولة من بناء مؤسسي ومنظومة أنظمة تنظم شؤون المجتمع وتحفظ الحقوق. ومن هذا المنطلق، فإن تجديد العهد بالوطن لا يكون بالكلمات وحدها، بل بما يترجم الانتماء إلى سلوك مسؤول يحافظ على المصلحة العامة ويعزز استقرار المجتمع.
وإذا كان توحيد المملكة قد جمع الأرض والمجتمع تحت راية واحدة، فإن مسيرة البناء رسخت هذه الوحدة من خلال المؤسسات والأنظمة التي أصبحت إطارا للعلاقات والحقوق والواجبات. ولهذا فإن احترام النظام يمثل أحد المعاني العملية للمواطنة؛ فالقيمة الحقيقية للقاعدة القانونية تظهر عندما يلتزم بها الفرد في حياته اليومية، ويحترم بها حقوق الآخرين، ويدرك أن النظام لا ينتقص من حريته، وإنما ينظم ممارستها ويمنع أن تتحول حرية أحد إلى اعتداء على حقوق غيره.
ومن هذه الزاوية، تظهر دولة القانون بوصفها بيئة يحتكم فيها الناس إلى القواعد والإجراءات عند اختلاف المصالح وتعارضها. فإذا نشأ نزاع، كان الطريق النظامي هو الوسيلة لحسمه، وإذا ادعى شخص حقا، كانت الجهات المختصة هي سبيل المطالبة به، وإذا قرر النظام واجبا، أصبح الالتزام به جزءا من المسؤولية العامة. وبذلك لا يكون القانون حاضرا عند وقوع المخالفة فحسب، بل يصبح مرجعا سابقا للنزاع، ووسيلة لتنظيم العلاقات قبل أن تتحول الخلافات إلى خصومات.
وفي هذا المعنى، يمكن قراءة شعار اليوم الوطني «عزنا بطبعنا» قراءة تتجاوز المظهر الاحتفالي؛ فالعز بالوطن يظهر في السلوك الذي يحفظ مكانته، ومن ذلك احترام أنظمته، والمحافظة على مكتسباته، وعدم الإضرار بحقوق الآخرين. والأهم أن يكون الالتزام بالقاعدة نابعا من قناعة بأن النظام مصلحة مشتركة، لا من الخوف من الجزاء وحده؛ لأن المجتمع لا يترسخ فيه احترام القانون بمجرد الرقابة، وإنما عندما يتحول الالتزام إلى ثقافة عامة.
وهكذا، فإن اليوم الوطني لا يجدد ذكرى الماضي فحسب، بل يفتح بابا للتأمل في مسؤولية الحاضر. فالدولة التي توحدت تحت راية واحدة تواصل بناء قوتها باستقرار مؤسساتها، ووضوح أنظمتها، ووعي مجتمعها. ومن ثم، فإن تجديد العهد في هذه المناسبة يمكن أن يأخذ معنى عمليا بسيطا وعميقا في الوقت نفسه: أن يكون حب الوطن سلوكا، وأن تكون المواطنة مسؤولية، وأن يبقى احترام النظام أحد وجوه العز الذي نعتز به.
expert_55@
