الوطن.. حين تصبح النعمة مسؤولية
فيصل الشمري4 دقائق للقراءةحجم الخط
هناك أشياء لا نعرف قيمتها كاملة إلا عندما نرى الآخرين يفقدونها. الأمن واحد منها، والاستقرار كذلك، والوطن في مقدمتها.
ولهذا يأتي اليوم الوطني السعودي هذا العام، والمنطقة من حولنا تعيش واحدة من أكثر مراحلها اضطرابا وتعقيدا. حروب تتسع، وصواريخ وطائرات مسيرة تعبر السماء، وطرق تجارة وطاقة مهددة، ودول تحاول أن تحمي حدودها ومصالحها وسط صراع تتداخل فيه القوى الإقليمية والدولية. وخلال الأيام الأخيرة تحديدا، شهدت المملكة تصعيدا عسكريا جديدا من الحوثيين طال مدنا ومنشآت حيوية، فيما تتزايد المخاطر على البحر الأحمر ومضيق هرمز ومسارات الطاقة العالمية.
وسط كل هذا، يحل الثالث والعشرون من سبتمبر، ليس بوصفه يوما عابرا في التقويم، ولا مجرد مساحة للاحتفال، وإنما مناسبة تدفعنا إلى أن ننظر إلى الوطن بطريقة مختلفة.
في مثل هذا اليوم من عام 1932، أعلن الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود توحيد البلاد تحت اسم المملكة العربية السعودية، بعد رحلة طويلة امتدت لعقود من العمل والصراع وبناء الدولة.
قد نقرأ هذه القصة اليوم في بضعة أسطر، لكن خلف تلك الأسطر تاريخا من الخوف والفقر والتشتت وعدم اليقين. وكانت الفكرة التي انتصرت في النهاية بسيطة وعظيمة في الوقت نفسه: أن تكون هناك دولة.
دولة لها حدود وقرار ومؤسسات، يشعر الإنسان داخلها بأن غده ليس رهينة للفوضى، وأن أبناءه يمكن أن يعيشوا حياة أفضل من حياته.
بعد أكثر من تسعة عقود، قد تبدو لنا الدولة أمرا طبيعيا. يولد الإنسان فيجد مدرسة وطريقا ومستشفى ومطارا ومؤسسة وجيشا ونظاما واقتصادا وفرصا، فيعتاد وجودها حتى ينسى أحيانا أن ما يبدو طبيعيا اليوم لم يكن كذلك دائما.
وهنا تكمن إحدى مفارقات الاستقرار: كلما طال، أصبحنا أقل شعورا بصعوبة صناعته.
لكن يكفي أن ننظر حولنا لنعرف أن الدولة ليست أمرا مضمونا، وأن الأمن ليس حقا مكتسبا إلى الأبد، وأن الأوطان يمكن أن تكون غنية ثم تضعف، قوية ثم تنقسم، آمنة ثم تدخل في دوامة يصعب الخروج منها.
من هنا يصبح اليوم الوطني مناسبة للسؤال، لا للاحتفال وحده.
والسؤال الأهم ليس: ماذا قدم لنا الوطن؟
لقد قدم الكثير، وما زال مطالبا بأن يقدم أكثر. فالعلاقة بين المواطن ودولته لا تلغي حق المواطن في التعليم والعمل والفرصة والعدالة والخدمات الجيدة، ولا تجعل النقد خطيئة أو الاختلاف نقصا في الوطنية. بل إن الوطن الذي نثق بقوته هو الوطن الذي يستطيع أبناؤه أن يناقشوا مستقبله، وأن يطالبوا بالأفضل، وأن يسهموا في تصحيح الخطأ.
لكن هناك نصفا آخر من المعادلة كثيرا ما ننساه:
ماذا قدمنا نحن للوطن؟
قبل أكثر من ستة عقود، طرح الرئيس الأمريكي جون كينيدي على مواطنيه الفكرة ذاتها: ألا تكون علاقتهم بوطنهم قائمة فقط على ما ينتظرونه منه، بل على ما يستطيعون تقديمه له.
وهي فكرة تتجاوز أمريكا وكينيدي وزمن الحرب الباردة. إنها سؤال يواجه كل مجتمع يريد أن يبقى قويا عندما يصبح العالم أكثر اضطرابا.
ماذا يعني أن تقدم لوطنك؟
ليس المطلوب أن يكون الجميع أبطالا في مشاهد استثنائية. فالأوطان لا تبنى بالمواقف الكبرى وحدها، بل بآلاف التفاصيل الصغيرة التي لا يراها أحد.
أن تتقن عملك هو عمل وطني.
أن تكون أمينا حين تستطيع أن تكون غير ذلك هو عمل وطني.
أن تحافظ على المال العام كما تحافظ على مالك، وأن تحترم النظام حتى عندما لا يراقبك أحد، وأن ترفض نشر الشائعة في زمن الأزمات، وأن تدرك أن الكلمة في لحظة التوتر قد تبني ثقة أو تهدمها؛ كل ذلك جزء من معنى المواطنة.
أن يعمل الطبيب بضمير، والمعلم بإيمان برسالته، والجندي بشجاعة، والموظف بإخلاص، ورجل الأعمال بمسؤولية، والشاب بطموح، والكاتب بصدق؛ تلك أيضا خطوط دفاع عن الوطن، وإن لم نسمها كذلك.
الوطن في النهاية ليس الحكومة وحدها، وليس الأرض وحدها، وليس النشيد والعلم وحدهما.
الوطن هو مجموع ما نفعله جميعا عندما لا تكون الكاميرات موجودة.
وفي زمن الأزمات تتضح هذه الحقيقة أكثر. لأن خصوم الدول لا يراهنون دائما على هزيمتها من الخارج؛ أحيانا يراهنون على إنهاكها من الداخل، على الخوف، والشائعة، والانقسام، وفقدان الثقة، وتحويل كل اختلاف إلى معركة وكل مشكلة إلى يأس.
وهنا تكون قوة المملكة الحقيقية أكبر من السلاح والاقتصاد.
إنها في مجتمع يعرف أن لديه دولة تستحق أن يحافظ عليها.
لقد دخلت السعودية خلال السنوات الأخيرة مرحلة تحول كبيرة؛ اقتصاد يتغير، ومجتمع يتطور، وطموحات ترتفع، وأجيال جديدة تنظر إلى المستقبل بثقة أكبر. والطموح بطبيعته يخلق أسئلة وتحديات، وهذا صحي. لكن نجاح أي مشروع وطني لا تصنعه الخطط الحكومية وحدها، مهما بلغت جودتها، تصنعه أيضا نوعية الإنسان الذي يحملها.
ولذلك ربما تكون أجمل طريقة نحتفل بها باليوم الوطني ألا نسأل فقط كم تغيرت المملكة، بل أن يسأل كل واحد منا نفسه:
كم تغيرت أنا لأكون جديرا بمستقبلها؟
في هذا اليوم، وبينما تشتعل حولنا حرائق كثيرة، تبدو نعمة الوطن أكثر وضوحا.
وإذا كان جيل التأسيس قد حمل مسؤولية أن يصنع لنا وطنا، فإن مسؤولية أجيالنا أن تحافظ عليه، وأن تطوره، وأن تسلمه لمن بعدها أكثر قوة وازدهارا وأمنا.
فحب الوطن شعور جميل.
لكن الأوطان لا تعيش بالمشاعر وحدها.
الوطن مسؤولية، وأصدق أشكال الانتماء أن تسأل، كل يوم لا في الثالث والعشرين من سبتمبر فقط: ماذا قدمت أنا من أجله؟
mr_alshammeri@
