عاد عيدك يا وطن
علي المطوع4 دقائق للقراءةحجم الخط
لا شيء يعدل الوطن في مكانه ومكانته، مكانه من القلب؛ في سويدائه، ومكانه من التاريخ أنصع صفحاته، ومكانه من الجغرافيا، في قلب العالم بكل أبعاده وأصقاعه، أما مكانته فيكفيه شرف أنه أرض الحرمين الشريفين، فيه مكة قبلة المسلمين وفيه المدينة مثوى الرسول الكريم، وفيه شعب عظيم ما زال وسيظل حصنا للإسلام والمسلمين، إنها المملكة العربية السعودية، وطن الإباء والشمم، بأرضها وسمائها ومائها وترابها وسهولها وجبالها وإنسانها.
في عام 1319هـ بدأ الملك عبدالعزيز ملحمته التاريخية، من الكويت انطلق يحمل مشروعا وحدويا خالصا، مشروعا غير وجه التاريخ قبل أن يغير معالم المنطقة العربية، بثلاثة وستين رجلا من الرجال الخلص والمخلصين الذين آمنوا بعبدالعزيز ومشروعه تم استرداد الرياض، ونودي بعبدالعزيز بن عبدالرحمن إماما للمسلمين؛ (الحكم لله ثم لعبدالعزيز).
هنا يجب أن نعيد قراءة هذا التاريخ وهذه الجسارة لهذا الفتى الذي خرج من بلاده مكرها ولكنها لم تخرج من قلبه، فكانت عودته بأمر الله محتومة ليكون عبدالعزيز بن عبدالرحمن هو الملك الذي أراده الله لهذه البلاد الطاهرة.
بدأت بعد الرياض ملحمة التوحيد الكبرى التي غيرت وجه الجزيرة العربية، ولأن أقدار الله هي الأساس، فقد سخر الله لهذا الشاب العربي الأصيل عزيمة لا تذبل وشجاعة جلّتها المحن، وسياسات أثبتت أن هذا الرجل كان عبقريا بالفطرة، بعيد النظر في أموره كلها، لأجل ذلك دانت له هذه الجزيرة على الرغم من وجود أسماء كانت أكثر حضورا وأكثر نفاذا في المنطقة العربية منه، لكنها إرادة الله التي أرادت لعبدالعزيز أن يكون هو الزعيم الخالد والمنتظر من الجميع.
استمرت رحلة التوحيد عقودا ثلاثة، تلاها إعلان إنشاء وتأسيس المملكة العربية السعودية في 23 / 9 / 1932، ليكون هو تاريخ يومها الوطني المجيد الذي نحتفل به كل عام.
مسيرة خير ورخاء أخذت إنسان هذه البلاد، ليصبح الشاهد الأول لرحلة مشروع وحدوي جمع الإنسان والأرض، ليكتب بها التاريخ أسطورته الخالدة ممثلة في الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن.
إن ملحمة التوحيد وبعدها ملاحم البناء والإنشاء والتعمير، لتعد بالمقاييس والمؤشرات المادية والمعنوية، من أكثر المعجزات الإنسانية في التاريخ، فمن إنسان بسيط عاش واقع هذه الجزيرة الصعبة، فقد كان يتعاطى مع الحياة وفق ظروفها الطبيعية التي جبل عليها فطرة، ليصبح هذا الإنسان ذاته أكبر صانع تجربة تنموية في تاريخ المنطقة، لتتحول الصحراء بأمر الله ثم عزائم الرجال إلى مدن شاسعة، ويصبح التعليم نزعة إنسانية طبيعية أكثر من كونه احتياجا بشريا للحضور والبناء والتأثير، وهنا تكمن شواهد البناء في المملكة العربية السعودية التي غيرت الأرض والإنسان ليكونا علامة فارقة في تاريخ هذه الجزيرة العربية، التي أراد لها الله هذه النقلات الحضارية الإعجازية التي ما فتئ المنصفون على الإعجاب بها وجعلها مثالا يحتذى به عند الحديث عن تنمية الإنسان والمكان في هذه الجزيرة العربية.
عبدالعزيز بن عبدالرحمن ما كان شخصية عادية، وما كانت مشاريعه العظيمة لتوحيد هذه البلاد لتمر هكذا دون أن تستوقف التاريخ ليذكرها في أنصع أسفاره، فعبدالعزيز صانع وطن؛ أراد له الله أن يكون خير الأوطان، وأن يكون خيره يتجاوز حدود المكان والزمان ليصافح كل صاحب حاجة في شتى بقاع الأرض.
وماذا بعد أيها السادة الكرام، ونحن نعيش في منطقتنا الخليجية وفي هذه الأيام حالات غير مسبوقة من التوترات الإقليمية التي جعلت هذه المنطقة تغلي ويكون نتاج ذلك صراعات وحروب ومشاريع دمار تهدد دول الخليج بل السواد الأعظم من منطقتنا العربية، تحل علينا هذه الذكرى العزيزة، ذكرى عرسنا الوطني المجيد ونحن أدعى كشعب سعودي إلى التكاتف والتعاضد أكثر وأكثر، فالأزمات مهما كانت صعبة فهي عند المخلصين والمؤمنين بأوطانهم فرصة لاختبار الولاء وتجديده، وفرصة لإظهار وتجسيد ما يجب أن يكون عليه المواطن السعودي، الذي يدرك حجم المخاطر التي تستهدف أرضه ومقدراته وخيراته، وهذه الذكرى وفي هذا التوقيت المهم من تاريخ هذه البلاد؛ فرصة للتاريخ ليكتب عن هذا السعودي البطل الذي آمن بعدالة قضية بلاده وأمته، وآمن أن أمنها واستقرارها خطان أحمران لا ينبغي الاقتراب منهما فضلا عن ملامستهما والاحتكاك بهما، لأجل ذاك تحضر دائما مناقب هذا الشعب وتسود مكارمه وفضائله وتضحياته في كل حالات الزمان مهما تغير أو تعددت وجوهه، فالأيام الصعبة ستنقشع والبقاء دائما للكيانات العظيمة الخالدة ورجالاتها الأبطال، وما هذه الأزمات العارضة إلا كاللقاح الذي وإن أوجع المريض ولكنه على الأمد الطويل يظل العلاج الذي يحميه من شرور الأمراض.
تحية إجلال لشعبنا السعودي العظيم في يومه الوطني المجيد، وسلام وإكبار وولاء لخادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين، ولكل بقاع هذا الوطن العزيز، من الماء إلى الماء ومن الشمال إلى أقصى الجنوب، فنحن نعيش في وطن يزهو بمآثره ورجاله، ومسيرة العطاء ستمتد لقادم الزمان، لتؤكد أن هذه البلاد محروسة بأمر ربها، وأن كيد الحاسدين مآله الزوال، لتبقى السعودية بإذن ربها راسخة في القلوب قبل الأرض؛ كرسوخ الجبال الشم وهي تعانق السحاب.
alaseery2@
