نستقبل اليوم الأربعاء الذكرى السادسة والتسعين لليوم الوطني المجيد، مستحضرين مسيرة التوحيد التي قادها الوالد العظيم جلالة الملك عبدالعزيز بن سعود، رحمه الله رحمة واسعة، حين جمع شتات هذه البلاد وأقام وحدتها على أساس راسخ.

مناسبة اليوم الوطني لا تقف بنا عند الماضي فحسب، بل تطرح علينا سؤالين متصلين وهما؛ كيف نصون وحدة وطننا في ظل الظروف الإقليمية المتغيرة؟ وكيف ننتفع بثروته التي لا تُقدَّر بثمن، وهم أبناؤه؟

مكانة المملكة العربية السعودية وثقلها، في ظل ما تشهده المنطقة من تحديات، يجعلان أمنها شأنا يتجاوز حدودها، ويجعلان تماسك صفها الوطني ضرورة تزداد إلحاحا؛ ومن هنا تأتي ضرورة الالتفاف حول القيادة الرشيدة الحكيمة، في عهد مولاي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو سيدي ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، حفظهما الله ورعاهما؛ التفافا يقوم على الوعي بما يحيط بالبلاد، والحرص على أمنها، وتقديم مصلحتها على ما سواها؛ ولا تستقيم الدعوة إلى هذه الوحدة إذا غاب عنا ما يستدعيها في حاضرنا، كما لا يكفي أن نرددها ما لم يظهر أثرها في مواقفنا المختلفة، وأعمالنا المتنوعة.

إن من أبرز معاني الوحدة المتقدم ذكرها أن يعرف الوطن قدر ما لدى أبنائه، وأن يجد من يستطيع منهم الإسهام مجالا يبذل فيه ما عنده؛ فالجندي يحمي أمنه، والمعلم يبني جيله، والطبيب يرعى صحة أهله، والكاتب والباحث والعالم والفقيه والمفكر وطالب العلم والمتخصص وصاحب الخبرة، كلهم، يشاركون في فهم قضاياه والبحث عما ينفعه؛ تختلف مواقعهم، لكن عطاءهم يلتقي في خدمة وطنهم؛ وما أحوج الوطن إلى أن تتصل هذه الجهود، لا أن يبقى بعضها بعيدا عن بعض.

في كل مجال أناس تعلموا وعملوا وراكموا خبرات تستحق أن يُنتفع بها، وقد تضيق فرص المشاركة أحيانا أمام من هم خارج الدوائر المعروفة، وأحيانا قد يُقابل الرأي المختلف بالريبة قبل النظر في ما يحمله من نفع، وحين يحدث ذلك، لا يفقد صاحب الخبرة فرصة فحسب، بل يفوت الوطن وجها من وجوه النظر كان يمكن أن يعينه؛ وليس المقصود أن كل رأي صواب، أو أن يتحدث الجميع في كل شأن؛ وإنما المقصود أن يبقى باب الإصغاء مفتوحا، وأن تُناقش الفكرة بما فيها، لا بما يُظن في صاحبها؛ ولهذا تزداد الملتقيات والاجتماعات قيمة حين تتسع لخبرات متنوعة، ويتاح لها أن تتحاور بمسؤولية وإنصاف؛ فقد يرى من اقترب من الناس في عمله ما لا يراه غيره، أو يضيف باحث إلى قضية مألوفة وجها جديدا للنظر.

أختم بأن الولاء للوطن يتسع لتعدد الاجتهادات ما دامت تصب في مصلحته؛ بل إن الإصغاء إلى الرأي المخلص يزيد الثقة بين أبنائه، ويعينهم على خدمة الغاية التي تجمعهم، وإننا في هذه الذكرى المجيدة الغالية، نجدد الحمد لله، سبحانه وتعالى، على وطن وحد كيانه الملك عبدالعزيز، جزاه الله عنا خير الجزاء، ونسأله، جل جلاله، أن يحفظ ويوفق مولانا الملك، وسيدنا ولي العهد، ويديم على أهله أمنهم ووحدتهم، كما نجدد العهد بأن نبقى وأن نستمر كما كنا، صفا واحدا، سلما لمن سالم قيادتنا ووطننا، وحربا لمن حاربهم؛ فعزة الوطن في قدرته على جمع أبنائه والانتفاع بعطائهم، وتقريب البعيد منهم؛ حتى لا يبقى على هامشه من يستطيع خدمته، كما أن عزته كذلك في وحدة ثوابته وإن تباينت الفروع، وفي تقوية مناعته، وفي تعزيز قدراته على تجاوز مختلف التحديات.

abfadaaq@