يتمتع الجمهور السعودي بحس وطني عال وتأثير ملموس يتجلى في تفاعله السريع مع كل ما يمس الوطن؛ إذ تتحول منصات التواصل تلقائيا إلى ساحة للدفاع والتصحيح، يقودها أفراد بدافع ذاتي ووعي لافت، حتى صاروا صوتا جماعيا حاضرا بقوة.

ولا يقتصر هذا التأثير على الداخل فحسب، بل أدركت برامج عربية وأجنبية قيمة هذا «الرأسمال» الإعلامي والاقتصادي؛ فاستثمرت شغف الجمهور السعودي بإنشاء برامج رياضية تعنى بقضاياه الساخنة، وتستعين بشخصياته الجماهيرية، وتخصص مساحات واسعة لأنديته، سعيا وراء التفاعل والانتشار وتحقيق عوائد إعلانية ضخمة من خلال ملايين المشاهدات، وهنا تكمن المفارقة: جمهور أدرك الآخرون قيمته واستثمروا حضوره، بينما لا يزال استثماره محليا يحتاج إلى إعادة دراسة مدى تأثيره الحقيقي.

هذا الاهتمام ليس وليد المصادفة؛ فالسعودية تتصدر العالم في معدلات انتشار وسائل التواصل الاجتماعي بنسبة تتجاوز 102% من إجمالي السكان، مما جعل الحضور السعودي يتجاوز حدود التفاعل إلى التأثير في صدارة المشهد الرقمي. ولهذا الحضور جذور تمتد إلى بدايات مبكرة؛ ففي عام 2013 بلغت نسبة استخدام منصة «تويتر» بين مستخدمي الإنترنت في المملكة 41%، وهي النسبة الأعلى عالميا آنذاك.

واليوم، لم تعد قيمة هذا الجمهور مقتصرة على كثافة حضوره، بل بات محط جذب واستثمار؛ إذ تعمد منصات خارجية إلى استغلال الموضوعات السعودية لجذب التفاعل، حتى أضحت توظف مفردات محلية مثل «أرحب» و«ونعم» لتقليص الفجوة مع الجمهور ضمن ما يعرف بـ«اقتصاد الهدايا الرقمية». نحن أمام جمهور أثبت قدرته الفائقة على التأثير، وأدرك الآخرون هذه الثروة، في حين لا يزال استثماره محليا بحاجة إلى إعادة نظر؛ للاستفادة من «رأس المال» الذي لا يزال يهدر.

في إطار رؤية 2030 الهادفة إلى رفع الإيرادات الحكومية غير النفطية من 163 مليارا إلى تريليون ريال سنويا عبر إدارة الموارد بكفاءة، يبرز الجمهور الرقمي السعودي كأحد الموارد التي لم تستثمر إمكاناتها بالكامل بعد، ولمواجهة استغلال هذا الجمهور من قبل جهات خارجية لا تعود بنفع وطني، يمكن استلهام نموذج «قانون الخدمات الرقمية» للاتحاد الأوروبي الذي دخل حيز التنفيذ عام 2024؛ إذ ألزم المنصات الكبرى بتقديم تقارير شفافية دورية، ومنح الجهات الوطنية صلاحية مراقبة المحتوى الموجه للمستخدمين داخل حدودها، وهو ما يقدم نموذجا عمليا لتمكين الدول من أدوات الرقابة دون تقييد حرية المنصات.

لا ينبغي أن تظل الملايين التي تتابع الحسابات الحكومية مجرد رقم في خانة المتابعين؛ فبإمكان إدارات الإعلام والاتصال تحويل هذا الحضور إلى أصل استراتيجي واقتصادي. يمكن للحسابات أن تصبح نافذة لفهم الطلب قبل تحوله إلى سوق، وربط الجمهور بالفرص والخدمات والمنتجات الوطنية عبر منصات وشراكات تفتح آفاقا للقطاع الخاص، بينما تتحول بيانات التفاعل المجهّلة إلى بوصلة تكشف الاحتياجات وتوجه الاستثمار.

والأهم من ذلك هو بناء العلاقة مع الجمهور قبل إطلاق الرسالة لا بعدها؛ بالاستماع إليهم، واختبار الأفكار، وإشراكهم في صناعة الحلول، ثم توظيف الثقة المتراكمة لإيصال الرسالة من قلب المجتمع لا من فوقه. حينها لا تكتفي المؤسسة باستثمار حساباتها فحسب، بل تحول جمهورها من مجرد متلق إلى قوة فاعلة تساهم في الطلب والمعرفة والتأثير.

إن القيمة الحقيقية لا تكمن في امتلاك المؤسسة ملايين المتابعين، بل في قدرتها على تحويل هذه الملايين إلى قيمة ملموسة.

moha_alm@