إيران ومعادلة الردع.. لماذا لم ينته الصراع؟
الثلاثاء - 14 يوليو 2026
Tue - 14 Jul 2026
ليست الحروب الكبرى نتاج حادثة منفردة ولا تنفجر بسبب ضربة عسكرية أو تصريح سياسي، بل هي نتيجة تراكم طويل لاختلالات استراتيجية تصل عندها الأطراف المتصارعة إلى قناعة بأن كلفة استمرار الواقع القائم أصبحت أعلى من كلفة تغييره بالقوة. ومن هذا المنطلق فإن المواجهة الواسعة الحالية مع إيران لم تكن حربا على منشآت أو قواعد عسكرية فحسب بل هي صراع على شكل النظام الأمني في الشرق الأوسط وعلى مستقبل موازين القوى التي تشكلت خلال العقود الأربعة الماضية.
لقد تعاملت إيران منذ قيام الجمهورية الإسلامية مع أمنها القومي باعتباره مفهوما يتجاوز حدودها الجغرافية. فبدلا من الاكتفاء ببناء منظومة دفاع داخلية اتجهت إلى توسيع عمقها الاستراتيجي عبر شبكة من العلاقات السياسية والعسكرية مع قوى وجماعات مسلحة في عدد من دول المنطقة. وترى القيادة الإيرانية أن هذه المقاربة توفر لها قدرة على الردع وتمنع نقل الحرب إلى الداخل الإيراني. بينما يرى خصومها أن هذه السياسة خلقت بيئة إقليمية أكثر هشاشة وزادت من احتمالات المواجهة المستمرة مع إيران.
ولذلك فإن جوهر الخلاف مع إيران لا يقتصر على الملف النووي رغم أهميته، بل يمتد إلى طبيعة العقيدة الأمنية التي تحكم سلوك الدولة. فالمشكلة من وجهة نظر خصومها ليست امتلاك وسائل القوة بحد ذاته، بل الطريقة التي توظف بها هذه الوسائل في إدارة النفوذ الإقليمي، وفي خلق معادلات ردع متعددة المستويات يصعب احتواؤها بالوسائل الدبلوماسية التقليدية.
وتؤكد إيران أن الجماعات المتحالفة معها تتخذ كثيرا من قراراتها بصورة مستقلة، وأن العلاقة معها لا تعني التحكم الكامل في جميع تحركاتها. إلا أن كثيرا من المحللين يشيرون إلى أن النظام الإيراني يقوم على مركزية واضحة في القضايا الاستراتيجية، وأن المؤسسات العسكرية والأمنية الرئيسة تعمل ضمن منظومة قيادة واحدة تستند إلى مبدأ ولاية الفقيه. ومن هذا المنظور يرى هؤلاء أن العلاقة مع الحلفاء الإقليميين ليست علاقة مصالح عابرة فقط بل ترتبط أيضا بعناصر عقائدية وتنظيمية وسياسية تجعل الفصل الكامل بين الأهداف العامة لهذه الجماعات وبين الاستراتيجية الإيرانية أمرا محل تشكيك. وفي المقابل تظل حدود الاستقلال الميداني لهذه الجماعات موضع نقاش بين الباحثين ولا يوجد توافق كامل حول مدى اتساعه.
ومن الناحية الاستراتيجية فإن الفارق بين القرار التكتيكي والقرار الاستراتيجي يمثل مفتاح فهم هذا الجدل. فقد تمتلك بعض الجماعات حرية في اختيار التوقيت أو الأسلوب أو طبيعة التنفيذ، بينما تبقى الاتجاهات الكبرى والأهداف العامة مرتبطة بالإطار السياسي الذي يجمعها مع إيران. ولذلك فإن تقييم المسؤولية لا يقتصر على دراسة كل عملية منفردة بل يشمل تحليل طبيعة العلاقات المؤسسية والعقائدية التي تربط مختلف الأطراف مع إيران.
ولهذا فإن احتمالات استمرار الحرب ترتفع كلما تقلصت الثقة بإمكانية التسويات السياسية. فحين تعتقد دولة أن خصمها يستغل الوقت لتعزيز قدراته العسكرية أو توسيع نفوذه، فإن الردع يتحول تدريجيا إلى خيار عسكري. وفي المقابل قد ترى إيران أن أي تراجع جوهري عن سياساتها سيضعف قدرتها على حماية مصالحها ويقوض مكانتها الإقليمية. وعند هذه النقطة يصبح استمرار الصدام أكثر احتمالا حتى لو لم يكن أي طرف يرغب في حرب شاملة.
ومن المرجح أن تكون المواجهة الحالية والمستقبلية حربا مركبة تتداخل فيها الضربات الدقيقة مع العمليات السيبرانية والاستخباراتية والضغوط الاقتصادية وحرب المعلومات. ولن يكون الهدف مجرد تحقيق تفوق عسكري سريع بل إضعاف قدرة الخصم على الاستمرار في إدارة الصراع وعلى الحفاظ على شبكاته وتحالفاته ونفوذه السياسي.
كما أن آثار هذه الحرب لن تتوقف عند حدود إيران أو خصومها المباشرين. فالشرق الأوسط يمثل أحد أهم مراكز الطاقة والتجارة العالمية، والاضطراب الحالي الواسع سبب انعكاسات اقتصادية وسياسية تجاوزت الإقليم إلى النظام الدولي بأكمله. ولهذا فإن القوى الكبرى تسعى عادة إلى تحقيق توازن دقيق بين ممارسة الضغط ومنع الانزلاق إلى حرب مستمرة لا يمكن السيطرة على تداعياتها.
أما مستقبل الصراع فسيتحدد بمدى قدرة الأطراف على ترجمة المكاسب العسكرية إلى نتائج سياسية مستقرة. فالتاريخ يبين أن تدمير القدرات العسكرية لا يكفي وحده لإنهاء الصراعات إذا بقيت أسبابها البنيوية قائمة. كما أن إعادة بناء منظومة أمنية جديدة تتطلب تفاهمات سياسية طويلة الأمد تتجاوز منطق القوة العسكرية وحده.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الحرب ستستمر أم لا، بل ما إذا كانت المنطقة قادرة على إنتاج معادلة أمنية جديدة تقلل دوافع الصراع وتعيد تعريف مفهوم الردع والاستقرار. فإذا بقيت جذور الأزمة دون معالجة فإن أي هدوء سيظل مؤقتا وأي اتفاق سيبقى معرضا للاهتزاز مع أي أزمة جديدة. أما إذا نجحت الأطراف في بناء توازن أكثر استدامة فإن احتمالات استمرار المواجهة ستتراجع حتى مع استمرار الخلافات السياسية العميقة.
alatif1969@