ماذا بعد الهرم الصحي السكاني؟
السبت - 11 يوليو 2026
Sat - 11 Jul 2026
اختتمت مقالي السابق باعتبار بناء الهرم الصحي السكاني حجر الأساس ونقطة الانطلاق لإدارة صحة السكان، سواء على مستوى منطقة جغرافية محددة، أو لفئة مشمولة بتأمين صحي، أو لسكان يتبعون مقدم خدمة معينا، كما هو الحال في التجمعات الصحية اليوم.
وقد تعمدت في هذا المقال تجاوز مرحلة بناء الهرم الصحي السكاني، باعتبارها المرحلة التأسيسية لإدارة صحة السكان، والتي يبنى خلالها الهرم اعتمادا على بيانات المراصد السكانية. لكن ماذا بعد هذا الهرم وتقسيم السكان إلى فئات منخفضة ومتوسطة ومرتفعة المخاطر؟
في تقديري، يبدأ الدور الأصيل لإدارة صحة السكان بعد اكتمال بناء الهرم، حيث يمثل هذا التصنيف نقطة الانطلاق لتصميم البرامج والتدخلات المناسبة لكل فئة بحسب مستوى المخاطر، ثم تنفيذها ومتابعة أثرها بصورة مستمرة.
وتختلف هذه البرامج والتدخلات باختلاف مستوى المخاطر، فالفئة مرتفعة الخطورة تستدعي برامج لإدارة الحالات، والمتابعة الاستباقية، وتعزيز التكامل بين مستويات الرعاية المختلفة، أما الفئة متوسطة الخطورة، فتوجه إليها البرامج التي تهدف إلى منع تدهور الحالة الصحية وانتقالها إلى مستويات أعلى من المخاطر، وتركز برامج الفئة منخفضة الخطورة على الوقاية وتعزيز الصحة للحفاظ على وضعها الصحي لأطول فترة ممكنة.
غير أن تصميم البرامج وتحديد أولويات التدخلات ليسا نهاية المطاف.
فالتركيز على تلك البرامج والتدخلات دون ربطها بمؤشرات تقيس أثرها على صحة السكان ومدى انعكاسها على شكل الهرم قد يؤدي إلى هدر الجهود، فإذا استمرت أعداد السكان مرتفعي الخطورة في الازدياد رغم وجود البرامج والتدخلات المخصصة، فإن ذلك يشير إلى أنها لم تحقق الأثر المنشود، حتى وإن بدت المؤشرات التشغيلية إيجابية، فلا طائل من تصميم البرامج وتنفيذها إذا لم تسهم في إعادة تشكيل الهرم.
ومن هنا أرى ضرورة الانتقال إلى مرحلة أكثر نضجا في إدارة صحة السكان، وهي ما أقترح تسميته بـ(إدارة حركة السكان داخل الهرم)، وأقصد بها قدرة إدارة صحة السكان على قياس انتقال السكان بين مستويات المخاطر مع مرور الوقت، ثم إدارة هذه الحركة بما يؤدي إلى زيادة نسبة السكان منخفضي الخطورة، وتقليل نسبة السكان مرتفعي الخطورة، من خلال تدخلات وبرامج وسياسات صحية قابلة للقياس والتقييم. ولا شك أن إدارة حركة السكان داخل الهرم ليست بالمهمة السهلة، فهي تتأثر بعوامل صحية واجتماعية وسلوكية واقتصادية متداخلة، إلا أن تبنيها كتوجه استراتيجي يمنح إدارة صحة السكان هدفا واضحا يمكن قياس أثره ومتابعة التقدم نحوه بمرور الوقت.
وبطبيعة الحال، يتطلب هذا التحول تطوير مؤشرات إدارة صحة السكان نفسها، فبدلا من الاكتفاء بقياس عدد المستفيدين من البرامج، يتحول التركيز إلى قياس عدد الأشخاص الذين انتقلوا من فئة المخاطر المرتفعة إلى المتوسطة، ومن المتوسطة إلى المنخفضة، ومدى نجاح البرامج أو السياسات في الحد من انتقال السكان نحو مستويات أعلى من الخطورة، كما أن القدرة على قياس هذه الحركة تمنح صناع القرار مؤشرا مهما لتقييم أثر النظام الصحي وسياساته على الهرم، سلبا أو إيجابا.
كل ما سبق يتطلب بنية رقمية متقدمة. ووفقا للحراك الذي يشهده القطاع الصحي في المملكة اليوم بقيادة برنامج تحول القطاع الصحي، وما يمثله مشروع الربط الالكتروني الموحد (نفيس) ومنصة يمامة من ركائز للبنية الرقمية الوطنية، فإن هذه المنظومة تمثل أساسا مهما لتمكين إدارة صحة السكان من أداء دورها. فكلما ارتفعت جودة البيانات وتكاملها، أصبحت قراءة ديناميكية الهرم ومتابعة حركة السكان داخله أكثر دقة واستمرارية، وهو ما يعزز القدرة على تصميم البرامج والتدخلات الأكثر تأثيرا في النتائج الصحية.
ختاما، فإن بناء الهرم الصحي السكاني، وما يسبقه من بناء المراصد السكانية وجمع البيانات وتجويدها، ليس سوى قص شريط البداية نحو تفعيل الدور الحقيقي لإدارة صحة السكان، ويتمثل هذا الدور في القدرة على تغيير شكل هذا الهرم بمرور الوقت، من خلال تصميم البرامج والتدخلات المناسبة، وصياغة السياسات المتخصصة، وتوجيهها لكل شريحة من السكان وفق مستوى مخاطرها. وعندما تتسع قاعدة السكان منخفضي الخطورة، وتتقلص قمة مرتفعي الخطورة، تتحول إدارة صحة السكان من إطار تنظيمي إلى أداة لتحقيق الهدف الثلاثي (Triple Aim)، أحد أبرز الأطر العالمية لتطوير الأنظمة الصحية، والقائم على تحسين تجربة المستفيد، وتحسين صحة السكان، وخفض نصيب الفرد من تكاليف الرعاية الصحية.