باسم سلامه القليطي

المشاهير وإتلاف المعنى

الخميس - 21 مايو 2026

Thu - 21 May 2026


ليست أخطر الكوارث تلك التي تفسد الأشياء، بل تلك التي تفسد معاني الأشياء. فالشيء إذا فسد أمكن استبداله، أما إذا فسد معناه فقد يبقى حاضرا في الصورة، غائبا في الحقيقة. وهذه واحدة من أكثر المآسي هدوءا في عصر التواصل الاجتماعي؛ إذ لم يعد الخراب يقع على الإنسان من الخارج فقط، بل امتد إلى أعماقه، إلى طريقته في فهم النجاح، والحب، والجمال، والسعادة، وحتى فهمه لنفسه. لقد دخلنا زمنا تستهلك فيه المعاني حتى تتآكل، وتعرض فيه الحياة كما لو أنها مسرح طويل من الصور المبهرة والمشاعر السريعة والحقائق المختصرة.

لم يعد النجاح اليوم ذلك الطريق البطيء الذي تبنى فيه النفس بالحلم والصبر والخبرة والتجربة، بل تحول عند كثير من الناس إلى حالة ظهور دائم. عدد المتابعين أصبح عند البعض أهم من عدد السنوات التي قضاها الإنسان في التعلم، والمشاهدات صارت أرفع شأنا من الإنجاز الحقيقي، و(الترند) بات يملك سلطة تفوق أحيانا سلطة العلم والعمل. ولهذا يشعر كثير من الناس اليوم بالفشل لا لأنهم بلا قيمة، بل لأنهم بلا سطوع زائف. أصبح الإنسان يخاف أن يكون عاديا، مع أن معظم الإنجازات العظيمة في التاريخ بدأت في العزلة والصمت والتراكم البطيء. لكن عصر الشهرة السريعة جعل البطء يبدو هزيمة، وجعل الهدوء يبدو اختفاء.

ثم جاء العبث بمعنى السعادة، ذلك المعنى الرقيق الذي كان يوما مرتبطا بالسكينة والرضا والعلاقات الدافئة. كانت السعادة قديما تشبه جلسة هادئة بعد يوم طويل، أو قلبا مطمئنا، أو بيتا بسيطا تمتلئ زواياه بالمودة. أما اليوم فقد أعادت وسائل التواصل تشكيلها على هيئة حياة استثنائية لا تتوقف: سفر دائم، وضحك متواصل، ورفاهية مصورة بعناية، وكأن الإنسان الناجح هو الإنسان الذي لا يمل ولا يحزن ولا يتعب. ومع تكرار هذه الصور بدأ الناس يسيئون الظن بحياتهم الطبيعية. صار الواحد يرى أيامه العادية باهتة لأنه يقارنها بلحظات منتقاة بعناية من حياة الآخرين. وهكذا لم تعد المشكلة في نقص النعم، بل في فساد الإحساس بها.

عندما خرج قارون بزينته، تمنى الناس حياته: {قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون}، لكن أهل العلم صححوا هذا المفهوم الفاسد للسعادة فقالوا: {ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا}. إن خروج قارون بكامل أبهته أمام الناس كان أول «ظهور استعراضي» في التاريخ يكسر قلوب البسطاء ويشوه قيمة أيامهم العادية. لقد انخدع الناس بالصورة المنتقاة وظنوا أن السعادة في ممتلكاته، حتى جاء الرد الإلهي زلزالا يثبت أن انبهارنا بما يملكه الآخرون هو مجرد وهم يتلاشى، وأن النعمة الحقيقية هي سكينة الروح لا بريق المظاهر.

حتى الجمال، ذلك السر الإنساني العجيب الذي كان قائما على التفرد والاختلاف والروح، تحول إلى نموذج استنساخ واسع. الوجوه نفسها، الملامح نفسها، الابتسامات نفسها، حتى بدا الأمر وكأن العالم يعيد إنتاج نسخة واحدة في ملايين الحسابات. والأخطر من هذا كله أن الإنسان بدأ يعتذر عن شكله الحقيقي. لم تعد الفلاتر مجرد تحسين للصورة، بل أصبحت أحيانا محاولة للهروب من الذات. صار بعض الناس يشعر بالصدمة حين يرى صورته الطبيعية بعد طول اعتياد على النسخة المعدلة منه. لقد انتقل الإنسان من تجميل وجهه إلى رفض حقيقته، وهذه خسارة نفسية عميقة لا يراها كثيرون.

ولأن كل شيء في هذا العصر قابل للتحويل إلى محتوى، فقد فقدت العلاقات الإنسانية شيئا من قداستها وهدوئها. الحب الذي كان يبنى بالصبر والستر والصدق، أصبح عند البعض يقاس بحجم الاستعراض. تفاصيل الحياة الخاصة تعرض أمام الجمهور، والمشاعر تصور لحظة وقوعها، وحتى الحزن لم يعد دائما حزنا خالصا؛ إذ باتت الكاميرا حاضرة في أكثر اللحظات خصوصية. لقد تآكلت المسافة بين الإنسان والعالم، حتى صار بعض الناس لا يشعر أن اللحظة حقيقية إلا إذا نشرها. وهنا يفقد الإنسان شيئا ثمينا جدا: عالمه الداخلي. ذلك الجزء السري من الروح، الذي كانت تنضج فيه المشاعر بعيدا عن التصفيق والتعليقات.

أما المعرفة، فقد أصابها من السطحية ما أصاب كل شيء آخر. أصبح بعض الناس يظنون أن الثقافة يمكن اختصارها في دقيقة، وأن الحكمة يمكن استهلاكها بين إعلانين، وأن الجرأة في الكلام دليل عمق وفهم. تحولت المعرفة من رحلة طويلة من القراءة والتأمل والصبر إلى ومضات سريعة قابلة للمشاركة.

ومع الوقت فقد العلم هيبته، وصار بعض المشاهير يشترون شهادات الدكتوراة من جامعات غير معتمدة أو وهمية، ويبيعون أوهام الفهم السريع لجمهور متعجل يريد نتائج فكرية بلا تعب عقلي. لكن الحقيقة التي لا يحب هذا العصر سماعها هي أن المعرفة الحقيقية بطيئة، ومتعبة، ومليئة بالحيرة والأسئلة، وليست مجرد عبارات براقة تصلح للاقتباس.

ومن أخطر ما أفسده بعض هؤلاء المشاهير، معنى القدوة والتدين. قديما كان الإنسان يتبع لأنه حكيم، أو عالم، أو صاحب خلق وأثر، أما اليوم فقد يكفي أن يكون مشهورا حتى يصبح مرجعا في كل شيء. الشهرة نفسها أصبحت نوعا من الشرعية الاجتماعية. وحتى التدين، ذلك السر العميق بين العبد وربه، لم يسلم أحيانا من التحول إلى صورة قابلة للتسويق. فأصبح بعض الناس يهتم بكيف يبدو أمام الآخرين أكثر من حقيقة قلبه مع الله تعالى. ومع كثرة الاستعراض تبهت الروح، لأن الأعمال حين تؤدى للجمهور تفقد كثيرا من معناها الخالص.

لكن ربما تبقى الخسارة الأكبر كلها في إتلاف معنى الذات. لقد جعلت وسائل التواصل الإنسان يعيش مراقبا لنفسه باستمرار، كأنه مشروع عرض دائم. صار كثير من الناس يتقمصون شخصيات بدل أن يعيشوا حقيقتهم، ويبنون صورة قابلة للإعجاب بدل أن يبنوا ذواتهم الحقيقية. ومع الوقت يتعب الإنسان من تمثيل نفسه، لأن الروح لا تحتمل العيش طويلا داخل قناع. وهذه هي المأساة الحديثة التي لا ينتبه لها كثيرون: أن الإنسان لم يعد يسأل «من أنا؟» بقدر ما يسأل «كيف أبدو؟».

ليست المشكلة إذًا في الشهرة ذاتها، ولا في التقنية، ولا حتى في وسائل التواصل الاجتماعي. المشكلة تبدأ حين تتحول الشهرة إلى معيار للحقيقة، وحين يصبح الظهور أهم من الجوهر، والصورة أهم من المعنى. فالإنسان لا يخسر نفسه فقط حين يفقد الأشياء، بل حين يفقد قدرته على الشعور الحقيقي بها. وحينها تبقى الحياة ممتلئة بالصور، فارغة من الروح.