عيد الفايدي

إهداء الكتب

الأربعاء - 20 مايو 2026

Wed - 20 May 2026

شرفت بكتاب "سعودي في بيروت"، مهدى من سعادة العقيد عبدالرحمن النزاوي. وليس هنا مجال قراءة تفصيلية لمضمونه، بقدر ما هو التوقف عند دلالة الإهداء نفسه، بوصفه عتبة أولى تسبق النص وتمنحه بعدا إنسانيا وثقافيا لا يقل أهمية عن المتن. فبعض الهدايا لا تقاس بقيمتها المادية، بل بما تفتحه من معان، وما تبعثه من صلات، وما يكون لها من أثر في النفس والذاكرة.

وقد جاء في الحديث الشريف: «تهادوا تحابوا»، وهو توجيه نبوي كريم يكشف أن الهدية ليست مجرد تبادل للأشياء، بل وسيلة عملية لصناعة المودة وتقوية الألفة وتخفيف البعد في العلاقات الإنسانية. فالهدية تصل إلى القلب قبل أن تصل إلى اليد، لأنها تحمل نية قبل أن تحمل شيئا، وتؤسس لمعنى الاعتراف المتبادل، وتمنح الإنسان شعورا بأنه موضع تقدير واهتمام. ومن هنا فإن الإهداء، في جوهره، ليس حركة اجتماعية عابرة، بل فعل رمزي يربط بين العاطفة والأخلاق، ويحول العلاقة الإنسانية إلى مساحة أكثر قربا ودفئا.

ولعل من أرقى صور العطاء أن يهدى الكتاب؛ لأن الكتاب ليس هدية تستهلك في لحظتها ثم تنتهي، بل هو أثر يمتد، وفكرة تستقر، وذاكرة قابلة للاستعادة كلما أعيد فتحه. ومن يهدي كتابا لا يقدم ورقا مطبوعا فحسب، بل يقدم تجربة، ورؤية، وخلاصة اهتمام بالمعرفة وبالآخر في آن واحد. ولهذا ظل إهداء الكتب تقليدا متوارثا عبر الأجيال؛ وصفحات التاريخ تؤكد أن الكتب تهدى إلى الولاة والعلماء والوجهاء بوصفها علامة تقدير وتقريب، وفي العصر الحديث بقي الإهداء جزءا من حياة الكتاب، لكنه صار أيضا وثيقة شخصية تكشف عن علاقة المؤلف بالعالم من حوله. ومع تسارع الرقمنة، تزداد قيمة الكتاب الورقي لا بوصفه نقيضا للتقنية فقط، بل لأنه يحمل أثرا ماديا حميما: خطا يدويا، وتوقيعا، وتاريخا، ولمسة لا يمكن استنساخها بالكامل.

ومن أجمل ما يقال في معنى الكتاب المهدى أنه لا يقرأ بوصفه نصا فقط، بل بوصفه علاقة أيضا؛ إذ يشعر المتلقي أن المهدي لم يخاطب عقله وحده، بل خاطب وجدانه وذاكرته واحتمالاته الداخلية. فالإهداء الجيد لا يختصر الكتاب، بل يفتح له أفقا جديدا، ويجعل القارئ يشعر بأن بينه وبين النص صلة شخصية، وأنه ليس أمام مادة معرفية جامدة، بل أمام أثر إنساني حي. ولهذا وصف الكتاب عند الجاحظ بأنه "الجليس الذي لا يطريك، والصديق الذي لا يغريك"، وهي عبارة تكشف أن الكتاب ليس بديلا عن الإنسان، لكنه رفيق صادق يوسع التجربة ويهذب النظر.

ومن هذا المنظور تبرز قيمة "سعودي في بيروت"؛ فهو ليس مجرد تسجيل لرحلة أو تدوين لذكريات عابرة، بل محاولة لفهم الذات من خلال الاحتكاك بالآخر، وقراءة المكان عبر ما يثيره في النفس من أسئلة ومفارقات. والأهم أن تجربة المؤلف، كما تبدو في هذا العنوان وفي هذا الإهداء، لا تنحصر في موقع "السائح" الذي يمر على الأشياء ثم يغادرها، بل تقترب من موقع "الرحالة الواعي" الذي يراقب ويفكر ويؤرخ لدهشته، ثم يحول المشاهدة إلى معرفة. وهنا تصبح الكتابة نفسها أداة للفهم، لا مجرد وسيلة للوصف؛ لأن الرحلة حين تدون جيدا لا تعيد إنتاج المكان كما هو، بل تكشف معناه في الوعي الإنساني.

كما أن حضور بيروت في هذا الكتاب يبدو مشبعا بالدلالة؛ فهي ليست مجرد مدينة على الخريطة، بل فضاء ثقافي وتاريخي تتجاور فيه الطبقات المتناقضة: الجمال والقلق، الحلم والانكسار، الذاكرة والتحول. ومن ثم فإن الكتاب لا يقدم بيروت بوصفها صورة ثابتة، بل بوصفها حالة تاريخية وإنسانية متحركة، تثير التأمل أكثر مما تمنح اليقين؛ لأنه لا يكتفي بوصف الخارج، بل يحاول استنطاق الداخل، ويربط بين تجربة المكان وتجربة الذات.

وعليه، فإن الإهداء هنا ليس تفصيلا جانبيا، بل جزء من المعنى الكلي للكتاب. فهو يضيف إلى العمل بعدا وجدانيا، ويحول تسلم الكتاب إلى لحظة تواصل ثقافي وإنساني معا. والكتاب المهدى يظل، في النهاية، أكثر من مجلد بين غلافين؛ إنه رسالة مودة، وعلامة اعتراف، وجسر صغير بين قلوب تتعارف في محيط المعرفة. تحية وتقدير لكل من دون إهداء للآخر.