بين مرآة الحطيئة وشاشة "إكس"عن ضلال الاستشارة وزمن "الخبير" العاجل
الثلاثاء - 05 مايو 2026
Tue - 05 May 2026
حين ضاقت الدنيا في عين الحطيئة ولم يجد من يصب عليه جام هجائه، التفت إلى صفحة الماء، فرأى وجهه، فلم تأخذه به رأفة، بل قال بملء فم الفصاحة "أرى لي وجها شوه الله خلقه.. فقبح من وجه وقبح حامله". لم يكن الحطيئة يومها يجلد ذاته فحسب، بل كان يضع أول ميثاق تاريخي للاعتراف بالحجم الحقيقي، في زمن لم تكن فيه الأضواء تزيف الملامح، ولا الفلاتر تجمل البواطن.
أجدني اليوم أستحضر مرآة الحطيئة، ليس لهجاء الملامح، بل لهجاء الدور الذي ألبسنا إياه ضجيج الوسائل الحديثة. أكتب في الصحيفة، وأغرد في "إكس"، وأسكب حدتي في الحالة الخاصة، منتقدا عوج القبلية تارة، وتزييف الوعي تارة أخرى، ظنا مني أن المسافات واضحة بين من يكتب لخاصته، ومن يتصدر للعامة.. لكن الخوارزميات لا تفرق بين همس المجالس وضجيج المنابر.
إلا أن الموضوع الحقيقي الذي أوقف عقلي عن الدوران، لم يكن في خلط الناشرين، بل في تلك اللحظة التي تجرأ فيها أديب فصيح، وشاعر يطاول السحاب بيانه، ليرسل لي مسودة قصيدة باذخة، يسألني رأيي في شطر منها!
قرأت القصيدة، فغمرني طوفان من البلاغة، ثم غلبتني ضحكة حزينة. أهنا وصلنا؟ هل فعلت بنا السوشيال ميديا هذا الصنيع، حتى ظن أرباب الفصاحة أن كاتب خواطر ومواضيع اجتماعية مثلي، يملك صك الغفران اللغوي أو مفاتيح النقد الأدبي؟
إنها لوثة التصدر العاجل التي أصابت روح العصر. نظرت حولي، فرأيت جيوشا من الخبراء والرياديين والمدربين، ممن كانوا بالأمس القريب يتلمسون أبجديات المعلومة، واليوم ينصبون الموازين، ويوزعون النصائح كوجبات سريعة، دون أن يمروا بمخاض الوقت الطبيعي للتطور. الجميع يريد أن يكسب قبل أن ينكشف، والجميع يظن أن الشهرة هي مرادف الأهلية.
قررت حينها أن أكون حطيئة اللحظة، وأن أصفع مرآتي بالحقيقة قبل أن تخدعني الأضواء. رددت على ذلك الأديب الذي لا علاقة له بالرياضة بصدق مغلف بسخرية الواقع "يا سيدي، علاقة الأديب الذي تستشيره بالشعر، كعلاقتك أنت بنادي الهلال!".
لقد اخترت الهلال تحديدا لأسلمه مفاتيح التشبيه، رغم أن بوصلة مشاعري تميل نصراوية تعاطفا، لكني لم أشأ لصاحبي أن يتجرع مرارة الصبر التي يتجرعها مشجعو العالمي، إن كان له في الرياضة مأرب.
إن المأساة الحقيقية ليست فيمن يجهل قدره، بل فيمن يمنحه المجتمع قدرا أكبر من حجمه فيصدق الكذبة. نحن بحاجة ماسة للعودة إلى الأدب بمعناه الأخلاقي قبل الفني؛ الأدب الذي يجعلنا نعرف متى نقتحم لجة القول، ومتى نقف على الضفاف مصفقين للفرسان الحقيقيين.
فيا أيها المتصدرون في كل فن، رفقا بالمرآة.. فليس كل من أمسك قلما صار حطيئة، ولا كل من اعتلى منبرا صار قس بن ساعدة.
أجدني اليوم أستحضر مرآة الحطيئة، ليس لهجاء الملامح، بل لهجاء الدور الذي ألبسنا إياه ضجيج الوسائل الحديثة. أكتب في الصحيفة، وأغرد في "إكس"، وأسكب حدتي في الحالة الخاصة، منتقدا عوج القبلية تارة، وتزييف الوعي تارة أخرى، ظنا مني أن المسافات واضحة بين من يكتب لخاصته، ومن يتصدر للعامة.. لكن الخوارزميات لا تفرق بين همس المجالس وضجيج المنابر.
إلا أن الموضوع الحقيقي الذي أوقف عقلي عن الدوران، لم يكن في خلط الناشرين، بل في تلك اللحظة التي تجرأ فيها أديب فصيح، وشاعر يطاول السحاب بيانه، ليرسل لي مسودة قصيدة باذخة، يسألني رأيي في شطر منها!
قرأت القصيدة، فغمرني طوفان من البلاغة، ثم غلبتني ضحكة حزينة. أهنا وصلنا؟ هل فعلت بنا السوشيال ميديا هذا الصنيع، حتى ظن أرباب الفصاحة أن كاتب خواطر ومواضيع اجتماعية مثلي، يملك صك الغفران اللغوي أو مفاتيح النقد الأدبي؟
إنها لوثة التصدر العاجل التي أصابت روح العصر. نظرت حولي، فرأيت جيوشا من الخبراء والرياديين والمدربين، ممن كانوا بالأمس القريب يتلمسون أبجديات المعلومة، واليوم ينصبون الموازين، ويوزعون النصائح كوجبات سريعة، دون أن يمروا بمخاض الوقت الطبيعي للتطور. الجميع يريد أن يكسب قبل أن ينكشف، والجميع يظن أن الشهرة هي مرادف الأهلية.
قررت حينها أن أكون حطيئة اللحظة، وأن أصفع مرآتي بالحقيقة قبل أن تخدعني الأضواء. رددت على ذلك الأديب الذي لا علاقة له بالرياضة بصدق مغلف بسخرية الواقع "يا سيدي، علاقة الأديب الذي تستشيره بالشعر، كعلاقتك أنت بنادي الهلال!".
لقد اخترت الهلال تحديدا لأسلمه مفاتيح التشبيه، رغم أن بوصلة مشاعري تميل نصراوية تعاطفا، لكني لم أشأ لصاحبي أن يتجرع مرارة الصبر التي يتجرعها مشجعو العالمي، إن كان له في الرياضة مأرب.
إن المأساة الحقيقية ليست فيمن يجهل قدره، بل فيمن يمنحه المجتمع قدرا أكبر من حجمه فيصدق الكذبة. نحن بحاجة ماسة للعودة إلى الأدب بمعناه الأخلاقي قبل الفني؛ الأدب الذي يجعلنا نعرف متى نقتحم لجة القول، ومتى نقف على الضفاف مصفقين للفرسان الحقيقيين.
فيا أيها المتصدرون في كل فن، رفقا بالمرآة.. فليس كل من أمسك قلما صار حطيئة، ولا كل من اعتلى منبرا صار قس بن ساعدة.