أشواق معيض القحطاني

من التوعية إلى التضليل: الوجه الآخر للمحتوى الطبي «التريندي»

الثلاثاء - 05 مايو 2026

Tue - 05 May 2026


في زمن تتسارع فيه المعلومة كما تتسارع الإشعارات على شاشات الهواتف، برزت منصات التواصل الاجتماعي كساحة رئيسية للمحتوى الصحي. بين جنباتها، نجد أطباء وصيادلة تحولوا إلى صناع محتوى، يحملون على عاتقهم مهمة نشر الوعي الصحي وتصحيح المفاهيم الخاطئة. في ظاهر الأمر، تبدو هذه الظاهرة خطوة إيجابية تقرب الطب من الناس وتكسر حاجز المصطلحات المعقدة، لكنها سرعان ما تكشف عن وجه آخر حين يتحول الطب إلى مادة استهلاكية سريعة تقدم بمنطق «الترند» لا بمنطق العلم.

في الفضاء الرقمي تنتشر عناوين مثيرة واهمة تستخدم لغة التعميم الجاهلة مثل: «الدواء الأخطر الذي تتناوله يوميا»، «كل المسكنات تدمر الكلى» «إجراء طبي قد يدمر صحتك»، و«توقف فورا عن هذا العلاج». وهي عناوين صممت لجذب الانتباه أكثر من نقل الحقيقة، متجاهلة جوهر الممارسة الطبية القائمة على التفصيل والدقة والفردية. فالدواء الذي قد يكون سما زعافا لمريض، قد يكون شريان حياة لآخر. والإجراء الطبي الذي يحمل مخاطر معينة في سياق ما، قد يكون الحل الأمثل والوحيد في ظروف أخرى.

المشكلة لا تكمن في تبسيط المعلومة، فذلك ضرورة للتواصل مع الجمهور، بل في التبسيط المخل الذي يحول الطب إلى أحكام مطلقة وشعارات عامة. حين تقدم الأدوية كخطر دائم، أو تصور الإجراءات الطبية كمغامرة غير محسوبة، فإننا ننتقل من التوعية إلى صناعة الخوف. وهنا يبدأ التشويش الحقيقي، جمهور يتلقى جرعات سريعة من المعلومات، فيبني قناعاته على مقاطع قصيرة بدل استشارة المختص أو الرجوع للمصادر العلمية.

هذا النمط من المحتوى لا يخلق وعيا صحيا، بل يزرع ترددا وقلقا قد يؤديان إلى رفض علاجات ضرورية أو التردد في اتخاذ قرارات طبية مصيرية. والأسوأ من ذلك أنه قد يضعف الثقة في المنظومة الصحية ككل، حين يصور الطب وكأنه شبكة من المخاطر والمؤامرات، لا منظومة علمية دقيقة هدفها الأول حماية الإنسان.

من هنا، لا تبدو المشكلة في وجود الأطباء على المنصات، بل في كيفية تقديمهم للمعرفة. المطلوب ليس الصمت إطلاقا، بل توظيف ذلك التوظيف السليم الذي يجمع بين البساطة والدقة، يشرح دون تهويل، ويحذر دون تخويف، ويقدم الصورة كاملة دون اقتطاع أو تشويه.

وفي الجهة الأخرى، يقع على عاتق المتلقي دور لا يقل أهمية. فالمحتوى الصحي ليس مادة ترفيهية، ولا ينبغي التعامل معه كترند عابر. إن التمييز بين المعلومة العلمية الرصينة والمحتوى المثير للقلق أصبح مهارة ضرورية في العصر الرقمي، تماما كأهمية المعلومة نفسها.

في النهاية، تبقى الصحة مسؤولية لا تحتمل الاستسهال. كلمة غير دقيقة قد تصنع خوفا واسعا، ومعلومة مبتورة قد تغير قرارا علاجيا بالكامل. وبين ضجيج الترند وأناة العلم، يظل الخيار الأهم هو العودة إلى المعرفة المتخصصة، حيث يبنى الوعي على الفهم لا على الانفعال، وعلى الدقة لا على الإثارة.