تركي الفيصل: العالم يمر بمرحلة اضطراب استراتيجي تتطلب إصلاح النظام الدولي

الاثنين - 04 مايو 2026

Mon - 04 May 2026

أكد الأمير تركي الفيصل، رئيس مجلس إدارة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، أن العالم يعيش مرحلة اضطراب استراتيجي عميقة، تتراجع فيها فاعلية النظام الدولي القائم على القواعد، وتتزايد النزاعات والتوترات، بما يفرض مراجعة جادة لبنية النظام العالمي وآليات عمله.

جاء ذلك في كلمة ألقاها الأمير تركي الفيصل، يوم أمس في مدرسة مونك للشؤون العالمية والسياسات العامة بجامعة تورنتو في كندا، بعنوان: «الشرق الأوسط في نظام عالمي متصدع»، تناول فيها التحولات الجيوسياسية الراهنة، ومستقبل النظام الدولي، وانعكاسات ذلك على منطقة الشرق الأوسط.

وأوضح الأمير تركي الفيصل أن العالم يمر ببيئة استراتيجية مضطربة وغير مستقرة، تتسم باتساع النزاعات وتراجع الالتزام بالقانون الدولي والأعراف والمؤسسات الدولية، مشيرًا إلى أن هذه المرحلة تثير تساؤلات عميقة حول مستقبل النظام الدولي القائم على القواعد، وما إذا كان العالم يتجه إلى حالة تغلب فيها اعتبارات القوة والمصلحة الضيقة.

وأشار إلى أن النظام الدولي القائم، رغم ما شابه من أوجه قصور، أسهم خلال العقود الثمانية الماضية في تحقيق قدر من الاستقرار العالمي، ومنع اندلاع حروب كبرى بين القوى العظمى، ودعم استقلال الدول، وتنظيم التعاون الدولي في مجالات السلام والصحة والتعليم والبيئة واللاجئين والتنمية.

وفي هذا السياق، استحضر الأمير تركي الفيصل ما أشار إليه رئيس الوزراء الكندي مارك كارني من أن العالم لا يمر بمرحلة انتقالية فحسب، بل يشهد “تصدعًا” في النظام الدولي القائم على القواعد، لافتًا إلى أن هذا النظام، رغم عيوبه، أسهم في تحرير دول من الاستعمار، وترسيخ مبادئ مساواة الدول وحق تقرير المصير، وتعزيز التعددية والالتزام بالقانون الدولي.

وقال إن هذا النظام «لم يُدفن بعد، ولا يزال من الممكن إنقاذه»، مؤكدًا أن الحاجة قائمة إلى إصلاحه لا إلى تركه ينهار، خصوصًا في ظل غياب تصور واضح لنظام بديل قادر على الحفاظ على ما تحقق من مكاسب ومعالجة الاختلالات البنيوية القائمة.

وشدد الأمير تركي الفيصل على أن الدعوات المتزايدة إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب لا تكفي وحدها لمعالجة الأزمة، موضحًا أن المشكلة لا تكمن في وجود أقطاب متعددة، بل في اختلال توازن القوى بينها، وفي غياب آليات عادلة وفاعلة لإدارة التنافس الدولي.

وأكد أن الحل الأكثر ملاءمة يتمثل في إصلاح النظام الدولي من خلال إعادة هيكلة الأمم المتحدة ومؤسساتها، وفي مقدمتها مجلس الأمن، بما يعزز تمثيله لمختلف القارات والحضارات والثقافات، ويجعل حق النقض «أداة لتنفيذ القرارات لا عائقًا أمامها».

وتناول الأمير تركي الفيصل موقع الشرق الأوسط في هذه التحولات، مؤكدًا أن المنطقة كانت من أكثر مناطق العالم تضررًا من اختلالات النظام الدولي، إذ ظلت على مدى عقود تنتقل من حرب إلى أخرى، ومن أزمة إلى أخرى، ومن قرار أممي إلى آخر، من دون أن تتحقق العدالة المنشودة.

وفي حديثه عن منطقة الخليج، أوضح أن دول مجلس التعاون الخليجي نجحت، خلال العقود الماضية، في الحفاظ على أمنها واستقرارها عبر الدبلوماسية والتحالفات الدولية والتماسك الداخلي، رغم ما واجهته من تحديات كبرى، شملت تداعيات الثورة الإيرانية، والحرب العراقية الإيرانية، وغزو الكويت، وغزو العراق، وتداعيات الصراع العربي الإسرائيلي، والحروب في لبنان واليمن والصومال والسودان.

وأضاف أن التطورات الراهنة أظهرت الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية لمنطقة الخليج، كما كشفت في الوقت نفسه الحاجة إلى بناء منظومة أمن إقليمي تعتمد على قدرات دول المنطقة نفسها، مؤكدًا أن أمن الخليج "مسؤولية دولية بقدر ما هو مسؤولية خليجية".

وفي الشأن الفلسطيني، أكد الأمير تركي الفيصل أن القضية الفلسطينية هي أصل الصراع في الشرق الأوسط، وأن غياب حل عادل يراعي الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حقه في تقرير المصير، سيبقي المنطقة عرضة لعدم الاستقرار، ويعرقل أي مشروع حقيقي للسلام الإقليمي.

وشدد على أنه لا يمكن بناء نظام دولي أكثر عدلًا وسلامًا من دون معالجة قضايا السلام والازدهار في الشرق الأوسط، بوصفه من أكثر مناطق العالم أهمية من الناحية الاستراتيجية.

كما دعا الأمير تركي الفيصل إلى تعزيز التعاون بين المملكة العربية السعودية وكندا، مشيرًا إلى أن البلدين، بوصفهما من القوى المتوسطة، يمكن أن يؤديا دورًا مهمًا في التعامل مع مخاطر المرحلة الانتقالية الراهنة، والإسهام في صياغة نظام دولي أكثر توازنًا وعدالة.

وحذّر الأمير تركي الفيصل من تصاعد التوجهات المتطرفة ذات الطابع الأيديولوجي، في ظل مرحلة دولية دقيقة تتطلب الحكمة والتهدئة وإصلاح النظام العالمي.

واختتم كلمته بالتأكيد على أن العالم يواجه مرحلة دقيقة تتطلب صوتًا للحكمة، وجهدًا دوليًا مشتركًا لإصلاح النظام العالمي، وتجنب الانزلاق إلى مزيد من الفوضى والاستقطاب.