عبدالمعين عيد الأغا

قبل «النوم» .. الكتاب أم الجوال؟

الثلاثاء - 21 أبريل 2026

Tue - 21 Apr 2026


كانت لحظات النوم قبل هيمنة الأجهزة الذكية تحمل هدوءا خاصا، يلتقط فيها البعض كتابا خفيفا، يقلب صفحاته على مهل حتى يتسلل النعاس إلى عينيه في سكينة، غير أن هذا المشهد البسيط تغير كثيرا مع سطوة العالم الرقمي، حيث أصبحت الشاشات الذكية رفيق السرير الأول وتزاحم الكتب وتؤجل لحظة النوم في عالم لا يهدأ.

وبين النوم في الماضي والحاضر تكشف لنا  دراسة علمية أجراها فريق من كلية الطب بجامعة هارفارد ومستشفى بريغهام آند ويمينز، بقيادة الباحثة آن ماري تشانغ، ونشرت في مجلة الأكاديمية الوطنية للعلوم الأمريكية، عن جانب مقلق في علاقتنا المعاصرة مع «النوم»، فقد أظهرت النتائج أن استخدام الأجهزة الالكترونية المضيئة خلال ساعات المساء، ولا سيما قبل الخلود إلى النوم لا يمر دون انعكاسات سلبية، بل يترك آثارا واضحة على جودة النوم وصحة الإنسان، إذ أوضحت الدراسة أن الضوء الأزرق المنبعث من هذه الأجهزة يتداخل بشكل مباشر مع إفراز هرمون «الميلاتونين» المسؤول عن تنظيم دورة النوم والاستيقاظ، ما يؤدي إلى تأخير الشعور بالنعاس وإرباك الساعة البيولوجية للجسم، ولا يقتصر الأمر على ذلك بل يمتد تأثيره ليطال مستوى النشاط والانتباه في صباح اليوم التالي، حيث يستيقظ المستخدم أقل يقظة وأكثر ميلا للإجهاد، كما أشارت الدراسة إلى أن  هذا السلوك بات منتشرا على نطاق واسع لدى معظم أفراد المجتمعات بشكل عام، إذ يعتمد كثيرون على الهواتف والأجهزة اللوحية في القراءة أو الترفيه قبل النوم، بديلا عن الكتاب الورقي، غير أن المفارقة التي وجدتها الدراسة تكمن في أن من يقرأون عبر هذه الشاشات يحتاجون إلى وقت أطول للدخول في النوم، ويشعرون بنعاس أقل في المساء مقارنة بمن يكتفون بالقراءة التقليدية، إلى جانب انخفاض مستويات «الميلاتونين» لديهم وتأخر توقيت نومهم، وهو ما يؤثر سلبا على جودة يومهم التالي.

وبهذا تضع الدراسة أمامنا تساؤلا مهما: هل تحولت عاداتنا الرقمية الهادئة ظاهريا إلى سبب خفي يسرق منا راحة الليل ونشاط النهار؟

الإجابة: نعم إلى حد كبير، والسبب ليس في الاستخدام بحد ذاته فقط، بل في توقيته وطبيعته، فالتعرض للضوء الأزرق من الشاشات في المساء يربك الساعة البيولوجية ويقلل إفراز هرمون الميلاتونين، ما يؤخر الإحساس بالنعاس ويجعل النوم أخف وأقل جودة، ومع مرور الوقت والأيام يتراكم هذا التأثير ليظهر في شكل تعب صباحي، ضعف في التركيز والإنتاجية، وتراجع في الأداء الذهني، كما أن الأمر لا يتوقف عند الضوء فقط، فالمحتوى الرقمي سواء كان ترفيهيا أو تفاعليا يبقي الدماغ في حالة تنبه، وكأن اليوم لم ينته بعد، وهذا يفسر لماذا نشعر أحيانا أننا كنا مستيقظين أكثر مما ينبغي، رغم عدم القيام بمجهود يذكر، وبجانب ما سبق وبعيدا عن التأثيرات البيولوجية، تلعب العادات الرقمية دورا خفيا في استنزاف الحالة النفسية قبل النوم، فالتعرض المستمر للمحتوى خاصة عبر وسائل التواصل يضع الدماغ في حالة مقارنة دائمة مع الآخرين، ويغذي مشاعر القلق أو عدم الرضا دون وعي مباشر، كما أن متابعة الأخبار أو المحتوى المشحون عاطفيا في ساعات الليل قد تبقي الذهن في حالة يقظة نفسية، حيث يستمر التفكير والتحليل حتى بعد إغلاق الجهاز، وهذا النشاط الذهني الزائد هو أحد الأسباب غير المباشرة لصعوبة النوم والشعور بالإرهاق رغم عدد ساعات النوم الكافية.

ومن كل ما سبق، يتضح لنا أن الكتاب الورقي هو الخيار الأفضل قبل النوم في حال الرغبة في قراءة كتاب أو التصفح الالكتروني، فالفرق لا يتعلق بالمحتوى، بل بالتأثير على الجسم والعقل، فمن ميزات الكتاب الورقي قبل النوم أنه لا يصدر ضوءا مزعجا، ويساعد على تهدئة الذهن تدريجيا، ويعد إشارة واضحة للجسم بأن وقت النوم قد اقترب، لذلك غالبا ما يسهل الدخول في النوم ويحسن جودته، كما أن القراءة من الورق تقلل من التشتت، فلا توجد إشعارات أو روابط تقود الفرد بعيدا، وهذا يساعد الدماغ على الدخول في حالة تركيز هادئ، ويحسن الفهم ويثبت المعلومات، كما أنه عندما تربط القراءة الورقية بوقت النوم، يتحول ذلك إلى إشارة ثابتة للجسم بأن وقت الراحة قد حان، مما يساعد على تنظيم النوم على المدى الطويل.

الخلاصة: تجنب استخدام الجوال قبل النوم بساعة على الأقل خطوة مهمة لحماية وتعزيز جودة النوم وصحة الجسم، فالتعرض للشاشات في ساعات الليل المتأخرة قد ينعكس على هيئة 5 تأثيرات سلبية من أبرزها: تأخر الدخول في النوم وصعوبة الاستغراق فيه، وانخفاض إفراز هرمون الميلاتونين المسؤول عن تنظيم دورة النوم، إضافة إلى اضطراب الساعة البيولوجية التي تضبط إيقاع الجسم اليومي، وتراجع واضح في مدة النوم وجودته خاصة في مرحلة النوم العميق التي يحتاجها الجسم للتعافي واستعادة النشاط، وانخفاض مستوى اليقظة وضعف التركيز في صباح اليوم التالي وكأن الجسم يدفع ثمن السهر حتى بعد الاستيقاظ.