مطير سعيد الزهراني

الآداب والعلوم الإنسانية في الجامعة... هل أصبحت عبئا؟

الاثنين - 20 أبريل 2026

Mon - 20 Apr 2026


في كل مرة يطرح فيها سؤال إغلاق أقسام الآداب والعلوم الإنسانية، لا يكون النقاش حول تخصصات بعينها بقدر ما يكون حول تعريف الجامعة ذاتها؛ إذ تتكشف خلف السؤال تحولات عميقة في تصور القيمة، بين مؤسسة تعنى ببناء الإنسان ومؤسسة تقاس بقدرتها على تلبية احتياجات السوق. ومن هنا، فإن البدء بالحكم على هذه الأقسام بوصفها عبئا يتجاوز تشخيص الواقع إلى إعادة تشكيل وظيفة التعليم العالي، وهو ما يقتضي تفكيك السؤال قبل تبني أي إجابة جاهزة.

وعند الانتقال إلى واقع هذه التخصصات، يظهر أن الفجوة مع سوق العمل ليست وهما متخيلا، بل نتيجة تراكمات داخلية وخارجية؛ فالمناهج في كثير من الأحيان ظلت حبيسة قوالب تقليدية، كما أن صلتها بالتطبيقات الحديثة بقيت محدودة، الأمر الذي أضعف قدرتها على إقناع المجتمع بجدواها. ومع ذلك، فإن هذا القصور لا ينسب إلى جوهر التخصص بقدر ما يرتبط بطريقة تقديمه، إذ يمكن للمعرفة الإنسانية أن تتحول إلى قوة تحليلية مؤثرة حين تربط بمجالات مثل السياسات العامة، والصناعات الإبداعية، والاقتصاد السلوكي.

وفي سياق تقييم القيمة، يبرز خلل في المقاييس المستخدمة؛ لأن حصر الجدوى في عدد الوظائف المباشرة يختزل الأثر إلى بعد واحد، بينما تسهم هذه العلوم في تشكيل الوعي، وفهم التحولات، وتحليل الخطاب، وهي أدوار لا تظهر في الإحصاءات السريعة، لكنها تعد ركيزة في استقرار المجتمعات وتوازنها، ومن ثم فإن تجاهل هذا البعد يؤدي إلى قرارات قد تبدو منطقية على المدى القصير، لكنها تترك فراغا معرفيا يصعب تعويضه لاحقا.

عند النظر إلى التجارب الدولية، يتضح أن الاتجاه الغالب لم يكن الإلغاء، بل إعادة التشكيل؛ حيث جرى دمج هذه التخصصات مع مسارات تقنية واقتصادية، وتحويلها إلى برامج بينية تتقاطع مع احتياجات العصر، الأمر الذي منحها قدرة على البقاء والتأثير في آن واحد؛ ولذلك فإن إغلاق الأقسام يمثل خيارا سريعا من حيث التنفيذ، غير أنه محدود من حيث الرؤية، لأنه يتجنب معالجة الجذور الحقيقية للمشكلة.

ومن زاوية أخرى، فإن الإقدام على الإلغاء لا يلغي الحاجة المجتمعية إلى هذه المعارف، بل ينقلها إلى فضاءات أقل انضباطا، وهو ما يفتح الباب أمام قراءات سطحية أو غير مؤصلة، في حين أن بقاءها داخل الجامعة يضمن تطويرها وفق معايير علمية دقيقة؛ وبذلك يصبح السؤال الحقيقي: كيف نحافظ على هذه المعرفة ونحدث أدواتها بدل أن نتخلى عنها؟

بناء على ذلك، تتوزع المسؤولية بين أطراف متعددة؛ فالجامعات مطالبة بإعادة تصميم البرامج، والأقسام معنية بتجديد خطابها ومناهجها، كما أن السياسات التعليمية مطالبة بإعادة التوازن بين التخصصات دون انحياز أحادي. وفي هذا الإطار، لا يعود العبء صفة ملازمة لتخصص معين، بل نتيجة مباشرة للجمود وضعف التكيف مع التحولات.

وأخيرا، فإن الطريق الأكثر اتزانا لا يمر عبر تقليص الحقول المعرفية، بل عبر توسيع أدوارها وربطها بالقطاعات الحيوية، بحيث تتحول من مسارات تقليدية إلى روافد استراتيجية تسهم في التنمية الشاملة؛ وبهذا الفهم يتغير السؤال من: ماذا نغلق؟ إلى: ما الذي نعيد تشكيله؟ وهي نقطة الانطلاق لأي قرار رشيد يسعى إلى بناء جامعة قادرة على استيعاب الحاضر واستشراف المستقبل.

Drmutir@