عبداللطيف محمد الحميدان

جهود المملكة تفضي إلى وقف إطلاق النار في لبنان

الاثنين - 20 أبريل 2026

Mon - 20 Apr 2026


لم يكن الوصول إلى وقف إطلاق النار في لبنان حدثا عابرا في سياق إقليمي شديد الاضطراب بل جاء حصيلة مسار سياسي ودبلوماسي مركب احتاج إلى دولة تمتلك المصداقية والقدرة على التواصل مع مختلف الأطراف والوزن الكافي لتحويل الاتصالات إلى نتائج ملموسة، وهنا برزت المملكة العربية السعودية بقيادة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بوصفها الطرف العربي الأكثر قدرة على التحرك الهادئ والمؤثر، من أجل الدفع نحو التهدئة ومنع انزلاق لبنان إلى مرحلة أكثر خطورة كانت كفيلة بتوسيع نطاق المواجهة وتهديد ما تبقى من توازنات هشة في المشرق العربي.

والقراءة المتأنية للمشهد اللبناني تكشف أن أهمية الدور السعودي لا تكمن فقط في الإسهام في الوصول إلى وقف إطلاق النار بل في طبيعة هذا الدور ذاته، إذ لم يكن تحركا ظرفيا أو موقفا سياسيا عابرا بل جهدا استراتيجيا متدرجا، استند إلى فهم عميق لتعقيدات الساحة اللبنانية وتشابكاتها الداخلية والإقليمية؛ فالمملكة تدرك أن لبنان لا يمكن أن يستعيد توازنه عبر مقاربات جزئية أو عبر تغليب طرف على آخر، بل من خلال صناعة مساحة مشتركة تسمح بوقف التصعيد أولا ثم البناء عليها لإعادة تثبيت منطق الدولة ومؤسساتها، وهو ما يفسر الطابع الحكيم والمتوازن الذي وصف به الرئيس اللبناني العماد جوزاف عون الجهود السعودية، في إشادة تحمل دلالات سياسية عميقة تتجاوز المجاملة الدبلوماسية إلى الإقرار الفعلي بأن الرياض لعبت دورا محوريا في تهيئة الظروف التي أفضت إلى التهدئة.

ما يميز التحرك السعودي في هذا الملف أنه انطلق من ثوابت سياسية راسخة لم تتبدل عبر السنوات، وهي الوقوف إلى جانب لبنان الدولة والشعب، ورفض تحويل أراضيه إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية والدولية، مع التمسك بأن الحل المستدام لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال دعم مؤسسات الدولة اللبنانية، وفي مقدمتها الجيش اللبناني بوصفه المؤسسة الوطنية الجامعة والقادرة على حفظ الأمن والاستقرار، ومن هنا فإن الجهد السعودي لم يتعامل مع وقف إطلاق النار باعتباره غاية نهائية بل بوصفه مدخلا ضروريا لإطلاق مسار أوسع يستعيد فيه لبنان توازنه الوطني ويعيد الاعتبار لاتفاق الطائف وللقرارات الدولية ذات الصلة باعتبارها المرجعية الضامنة لوحدته وسيادته واستقلاله.

وفي هذا السياق تبدو قيادة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان عاملا حاسما في تفسير فاعلية الحضور السعودي، إذ يقود رؤية سياسية تقوم على أن استقرار المنطقة ليس خيارا تكميليا بل شرط جوهري لأي مشروع تنموي أو سياسي مستدام، ولذلك فإن التحرك السعودي تجاه لبنان ينسجم مع نهج أوسع اعتمدته المملكة في السنوات الأخيرة يقوم على صناعة الحلول لا الاكتفاء بإدارة الأزمات، وعلى توظيف الثقل السياسي والدبلوماسي للمملكة لخفض التوترات وفتح المسارات أمام التسويات الممكنة، ومن هذا المنظور فإن الدور السعودي في وقف إطلاق النار في لبنان لا ينفصل عن مشروع سياسي أشمل يعيد تعريف الفعل العربي بوصفه فعلا مبادرا وقادرا على حماية المصالح العربية عبر التهدئة وترجيح الحلول السياسية على منطق التصعيد المفتوح.

علما بأن ردود الفعل الإيجابية من مختلف المكونات اللبنانية على الجهد السعودي تعكس في جوهرها حقيقة سياسية راسخة، وهي أن المملكة ما زالت تمثل بالنسبة إلى قطاع واسع من اللبنانيين مرجعية عربية موثوقة لا تضمر أجندات ضيقة ولا تتعامل مع لبنان بمنطق النفوذ بل بمنطق الدعم الصادق لاستقراره ووحدته، وهذا ما يفسر التقدير الذي صدر عن مسؤولين وشخصيات سياسية وإعلامية من اتجاهات متعددة، إذ لم يكن هذا التقدير مرتبطا فقط بنجاح الجهد السعودي في وقف إطلاق النار بل أيضا بالأسلوب الذي أدارت به المملكة هذا الملف والقائم على التوازن والانفتاح والحرص على عدم دفع لبنان نحو مزيد من الانقسام.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في الحالة اللبنانية التي نادرا ما تشهد إجماعا أو شبه إجماع على دور خارجي، ومع ذلك فإن الحضور السعودي في هذه اللحظة حظي بقبول وتقدير لافتين من مكونات لبنانية متنوعة، وهو ما يكشف أن الرياض استطاعت أن تقدم نفسها مجددا كقوة استقرار لا كطرف في التجاذب الداخلي، وكداعم للدولة لا كراع لمحور على حساب آخر، وهذه ميزة استراتيجية بالغة الأهمية، لأن أي جهد لا يحظى بحد أدنى من القبول اللبناني العابر للاصطفافات يبقى محدود الأثر وقابلا للتعثر، أما حين يتشكل حوله إدراك لبناني واسع بأنه يصب في مصلحة البلد فإن فرص استدامته تتعزز وتأثيره يترسخ.

كما أن التقدير اللبناني للجهود السعودية يحمل بعدا مزدوجا معنويا وسياسيا، فهو من جهة يعكس امتنانا لدور أسهم في وقف نزيف الدم والخسائر، ومن جهة أخرى يبعث برسالة واضحة إلى الداخل اللبناني والخارج الإقليمي بأن المملكة عادت إلى واجهة الفعل العربي في لبنان من بوابة الاستقرار والسيادة والدولة، وهو ما يمنح التحرك السعودي بعدا استراتيجيا يتجاوز لحظة وقف إطلاق النار إلى إعادة ترميم الحضور العربي المتوازن في لبنان بعد سنوات من الاختلالات والتجاذبات.

إن ما قامت به المملكة في هذا الملف يبرهن أن الدبلوماسية السعودية بقيادة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لم تعد تكتفي بردود الفعل بل أصبحت أكثر ميلا إلى الفعل الاستباقي المنظم، وإلى توظيف شبكة علاقاتها الدولية والإقليمية لاحتواء الأزمات قبل انفجارها الكامل أو لتقليص كلفتها حين تقع، وهو ما تجلى في الحالة اللبنانية، حيث تحركت الرياض على مستويات متعددة ومع أطراف مختلفة، وركزت في الوقت ذاته على الداخل اللبناني وعلى أهمية تقريب وجهات النظر بين مكوناته للوصول إلى أرضية مشتركة تساعد على تثبيت وقف إطلاق النار، وتحويله من إعلان مؤقت إلى فرصة سياسية قابلة للبناء.

وتزداد أهمية هذا الدور عند وضعه في سياق التوترات الإقليمية المتصاعدة المرتبطة بالحرب الأمريكية الإيرانية وما أفرزته من ارتدادات على ساحات عدة من بينها لبنان؛ ففي مثل هذه البيئات المشحونة يصبح خطر الانزلاق مرتفعا للغاية ووجود قوة عربية متزنة وقادرة على تخفيف الاحتقان عاملا حاسما في حماية الدول الهشة من التحول إلى ساحات صراع مفتوح، وهنا تحديدا أدت المملكة دورا محوريا في تحييد لبنان قدر الإمكان عن السيناريوهات الأكثر خطورة، ودفعته نحو التهدئة باعتبارها صمام أمان ضروريا لحماية أمنه الداخلي واستقرار محيطه.

ويمكن القول إن القيمة الحقيقية للدور السعودي لا تتجلى فقط في ما أنجزه خلال لحظة الأزمة بل في ما يؤسس له في المرحلة اللاحقة، إذ إن وقف إطلاق النار ليس نهاية المسار بل بدايته، حيث يفتح الباب أمام اختبار جديد يتعلق بقدرة لبنان على استثمار هذه اللحظة للعودة إلى منطق الدولة والمؤسسات ومدى استعداد القوى اللبنانية لالتقاط الفرصة والانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء الاستقرار، وفي هذا الإطار تبدو المملكة مؤهلة لتكون شريكا أساسيا في دعم لبنان سياسيا وتنمويا ومؤسسيا انطلاقا من رؤية تحترم سيادته وتؤكد هويته العربية وتراهن على استعادة الدولة لدورها الكامل.

ويثبت هذا المشهد أن المملكة العربية السعودية بقيادة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان لم تكن مجرد داعم لوقف إطلاق النار في لبنان بل كانت أحد أبرز صناع البيئة السياسية التي أفضت إليه وأحد أهم الضامنين لتحويله إلى مدخل نحو استقرار أوسع، وقد جاءت ردود الفعل اللبنانية الإيجابية من مختلف المكونات لتؤكد أن هذا الدور لم يعد يقرأ فقط من زاوية النفوذ السياسي بل من زاوية المسؤولية العربية التي تمارسها الرياض تجاه لبنان وتجاه أمن المنطقة ككل، وهو ما يعكس نضج المقاربة السعودية الجديدة وعمقها وقدرتها على إحداث تأثير ملموس في مسارات الأزمات الإقليمية وصياغة فرص الخروج منها.

alatif1969@