ماذا يهمس التاريخ لواشنطن وطهران؟
الاثنين - 20 أبريل 2026
Mon - 20 Apr 2026
في أتون الصراعات المعقدة، لا تنهار المفاوضات المأمولة عادة لأن الخصوم يجهلون فداحة النزيف أو كلفة الدم المراق، بل لأنهم يصطدمون بالسؤال الأبسط والأكثر خطورة على الإطلاق؛ من يجرؤ على التنازل أولا؟ وبأي ضمانات؟ وتحت أي سردية سياسية تحفظ ماء الوجه أمام شعوبهم؟
إذا قلبنا صفحات التاريخ بحثا عن إجابات، سنجد أن طاولات الحوار تتعثر دائما في شباك التفاصيل ومزالق التنفيذ. في الحرب العالمية الأولى، بدت الهدنة في متناول اليد، لكنها تبخرت سريعا حين راهن السوفييت على مسك العصا من المنتصف بشعار لا حرب ولا سلام، فكان ثمن هذه المراوغة السياسية هجوما مضادا كاسحا أثبت أن أنصاف الحلول في الحروب قاتلة.
وفي الحرب الكورية، لم يتعطل مسار السلام بسبب الخلاف على رسم الحدود الجغرافية، بل توقف أمام عقدة أسرى الحرب. لقد تحولت قضية تبدو في ظاهرها تفصيلا إنسانيا بحتا إلى معركة أيديولوجية وكسر عظم سيادي؛ لتثبت الأيام أن المدافع قد تسكت بفعل توازن القوى الميداني، لكن عجلة التفاوض تختنق عند أسئلة الشرعية والهيبة.
أما في مفاوضات فيتنام، وكذلك في الحرب العراقية الإيرانية، فقد تجلى درس تاريخي آخر بالغ الأهمية، وهو ترتيب الخطوات ليس مجرد إجراء فني أو بروتوكولي، بل هو قلب السياسة النابض. هل نبدأ بوقف إطلاق النار والانسحاب أولا؟ أم بتحديد المسؤوليات وإقرار التعويضات؟ عندما يتحول سلم التنفيذ إلى حقل ألغام، يصبح السلام ذاته مادة جديدة للصراع، وكل طرف يقرأ مسودة الاتفاق باعتبارها خريطة نفوذ مستقبلي لا مجرد ورقة للتهدئة.
ثم جاءت حرب كوسوفو لتضيف إلى الرصيد الدبلوماسي درسا إضافيا؛ وهو أن ما يراه طرف ما ضمانة أكيدة للسلام، قد يراه الطرف الآخر وصاية تمس بالسيادة الوطنية، مما يجعل الاتفاق يولد وهو يحمل بذور انهياره.
كل هذه الشواهد الحية ليست مجرد قصص تروى، بل هي العدسة الأصدق لاستشراف المشهد المعقد على طاولة المفاوضات الأمريكية والإيرانية. فالتحدي الحقيقي اليوم بين واشنطن وطهران لا يقتصر على أزمة انعدام الثقة العميقة، بل يتجاوزها إلى فخ الترتيب، وغموض آليات التحقق، وهشاشة الضمانات، ناهيك عن سيف الفيتو الذي ترفعه قوى الضغط والنفوذ الداخلي في كلا البلدين لعرقلة أي تسوية لا توافقهم الرؤية.
وهنا نستنتج أن في غرف التفاوض، لا تسقط الاتفاقيات لأن الأطراف تزهد في السلام؛ بل تنهار عندما يسيطر هاجس الخوف على أحدهم، بأن الخطوة الأولى نحو التسوية والتنازل.. هي ذاتها الخطوة الأولى نحو الهزيمة والاستسلام.
Abdullah_Yabisi@