فهيد العديم

حين يصبح الوعي خط الدفاع الأول

الأربعاء - 01 أبريل 2026

Wed - 01 Apr 2026



في خضم الأحداث الجارية، وما يرافقها من توترات ومحاولات استهداف إعلامي لدول الخليج، لم يكن المشهد محصورا في السياسة أو الأمن فقط، بل امتد إلى مساحة أكثر عمقا وتأثيرا: وعي المواطن، هذا الوعي الذي لم يظهر كشعار، بل كممارسة حقيقية في طريقة التفاعل مع الحدث، وفي كيفية التعامل مع سيل المعلومات المتدفقة.

اللافت أن المواطنين لم يندفعوا خلف الأخبار المتداولة، رغم كثافتها وتسارعها، بل أظهروا قدرا واضحا من التروي، فلم يعد النشر هو الغاية، ولا السبق هو القيمة، بل أصبح السؤال الأهم: هل هذه المعلومة دقيقة؟ وهل يستحق هذا المحتوى أن ينشر؟ هذه الأسئلة البسيطة في ظاهرها، العميقة في أثرها، تعكس تحولا حقيقيا في طريقة التفكير، وتؤكد أن الوعي لم يعد نظريا، بل سلوك يومي.

أحد أبرز تجليات هذا النضج، كان في الحرص على الرجوع إلى المصادر الرسمية، وتجنب إعادة نشر الأخبار غير الموثوقة، حتى وإن بدت مثيرة أو عاجلة، فالمواطن اليوم يدرك أن المعلومة الخاطئة لا تقف عند حدودها، بل تتضخم مع كل إعادة نشر، وقد تتحول إلى أداة لإثارة القلق أو زعزعة الثقة، ومن هنا أصبح التحقق ليس خيارا إضافيا، بل خطوة أساسية قبل أي تفاعل.

وفي جانب آخر لا يقل أهمية، برز وعي واضح في التعامل مع الصور والمقاطع المتداولة، فالكثيرون اختاروا عدم نشر محتوى حساس قد يساء استخدامه أو إخراجه من سياقه، إدراكا منهم أن بعض الصور قد تتحول إلى مادة للتأويل أو التضليل، هذا الامتناع لم يكن بدافع الخوف، بل نابع من فهم عميق بأن المسؤولية الرقمية لا تقل أهمية عن المسؤولية في الواقع.

ما يحدث هنا يتجاوز مجرد رد فعل على حدث طارئ، ليعكس تحولا أعمق في وعي المجتمع، لم يعد المواطن متلقيا سلبيا، بل شريك في تشكيل المشهد الإعلامي، كل مشاركة، كل تعليق، كل تجاهل حتى، أصبح له وزن وتأثير. وهذا بحد ذاته تطور مهم في زمن أصبحت فيه المعلومة سلاحا، لا يقل خطورة عن أي وسيلة أخرى.

والأهم أن هذا الوعي لا ينعكس فقط على الداخل، بل يساهم في تشكيل صورة المجتمع أمام الخارج، فحين يتعامل الأفراد بمسؤولية مع الأحداث، ويظهرون قدرة على التمييز بين الحقيقة والتضليل، فإنهم يعززون من ثقة الآخرين في تماسك مجتمعهم ونضجه، إنها رسالة غير مباشرة، لكنها قوية، بأن هذا المجتمع لا يستدرج بسهولة، ولا يدار بالعاطفة وحدها.

ومع كل ذلك، يبقى التحدي الحقيقي هو الحفاظ على هذا المستوى من الوعي، وعدم اختزاله في أوقات الأزمات فقط. فالمعركة مع التضليل مستمرة، وأدواتها تتطور باستمرار، ما يتطلب يقظة دائمة، وثقافة راسخة في التحقق والتفكير النقدي.

في النهاية، ما نشهده اليوم يبعث على الطمأنينة، ليس لأن الأحداث طارئة، بل لأن الوعي في التعامل معها بات أكثر نضجا، وحين يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، يصبح أكثر قدرة على تجاوز الأزمات، لا بردود الفعل، بل بالفعل الواعي.