عبدالله قاسم العنزي

مسافة السكة: قراءة في العقيدة العسكرية والقانون

الاثنين - 30 مارس 2026

Mon - 30 Mar 2026



لم تكن زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى المملكة العربية السعودية، واستقباله من الأمير محمد بن سلمان ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء، حدثا بروتوكوليا عابرا، بل جاءت في توقيت إقليمي تتسارع فيه الأحداث، وتضيق فيه المسافات بين التهديد والقرار. وفي مثل هذه اللحظات، لا تقرأ الزيارات ببياناتها، بل بدلالاتها؛ فهي تعكس مستوى التنسيق، ودرجة الجاهزية، وحدود الاستعداد للتحرك حين تقتضي الظروف ذلك.

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم «مسافة السكة» الذي لم يعد مجرد عبارة متداولة، بل تحول إلى تصور عسكري قائم على إدارة الزمن قبل إدارة القوة. وقد نقلت قناة العربية المقولة الشهيرة عن الرئيس المصري حين كان مرشحا رئاسيا، مؤكدا أن أمن الخليج والأمن القومي العربي إذا تعرضا للخطر فإنها «مسافة سكة»، في دلالة على الجاهزية وسرعة الاستجابة. ومن هنا، يمكن فهم العبارة بوصفها نظرية عسكرية مختصرة تقوم على اختزال الفاصل الزمني بين إدراك التهديد وتنفيذ الرد، بحيث تتحول السرعة إلى عنصر ردع مستقل.

غير أن الواقع الدولي، حين يقرأ بعين مجردة من التنظير، يكشف أن هذه المسافة لا تقاس دائما بالدقة التي تفترضها الخطط. فحين اندفعت الولايات المتحدة في تحركاتها العسكرية، بدت وكأنها تتبنى العقيدة ذاتها؛ لم يكن يفصلها عن المواجهة سوى مسافة السكة. غير أن الحسابات - في كثير من الأحيان - لا تخطئ في تقدير القوة، بل في تقدير المسافة نفسها.

وكأن بعض القرارات تبنى على تصور أن الطريق مستقيم، بينما هو في الحقيقة مليء بالانعطافات. وهنا تتكشف المفارقة: ليست المشكلة في سرعة التحرك، بل في دقة تقدير المسار.

وفي الجهة الأخرى، انطلقت صواريخ إيران، وكأنها هي الأخرى تقيس المسافات بالمنطق ذاته، فلم يكن بينها وبين جوارها سوى مسافة السكة. غير أن هذه المسافة لم تكتمل؛ إذ اعترضتها منظومات الدفاع في دول مجلس التعاون الخليجي، فقطعت عليها الطريق في منتصفه، حتى أنها لم تبلغ أهداف إيران لتصدير مشاكلها إلى دول الجوار وهنا، لم تكن المسافة هي العامل الحاسم، بل القدرة على إيقافها في الزمن المناسب.

ويكشف هذا المشهد عن حقيقة مركبة: أن مسافة السكة ليست مجرد سرعة في الإطلاق أو التحرك، بل هي معادلة تشمل من يختصر الزمن، ومن يقطع الطريق، ومن يحسن التقدير. فليس كل من بدأ المسافة يكملها، وليس كل من أطلق الفعل يضمن إنهاؤه بنجاح!! فقد تبدأ في مسافة السكة وتمضي قدما وبسرعة ثم تتفاجأ أنك لم تسطِع الرجوع ولا المضي فتلتفت يمينا وشمالا بحثا عن خط رجعة للسكة!

وفي ظل هذا التعقيد، يبدو القانون الدولي - بنصوصه المحكمة - حاضرا في الخطاب، لكنه كثيرا ما يأتي بعد اكتمال المشهد. تصاغ القواعد، وتعلن المبادئ، لكن حين تتحرك الوقائع بسرعة مسافة السكة، يبدو أن النصوص تلاحق الحدث بدل أن تسبقه. وكأن العالم اتفق - دون إعلان - على أن الفعل ينفذ أولا، ثم يبحث له عن توصيف لاحق.

ولا يعني ذلك غياب القانون، بل يعكس فجوة بين زمن النص وزمن الفعل؛ فالنص يتحرك بإيقاع هادئ، بينما الواقع يدار بسرعة لا تنتظر.

وفي خضم هذا المشهد، تبرز المملكة العربية السعودية بوصفها نموذجا مختلفا في إدارة هذه المعادلة. فهي دولة تمتلك من أدوات الردع ما يجعلها قادرة على التحرك متى شاءت، لكنها في المقابل لا تخضع قرارها لمنطق العجلة، ثم تبحث عن تبريرات واعتذارات وضحكات دبلوماسية، بل لمنطق التقدير الاستراتيجي.

فالمملكة لا تقيس مسافة السكة بزمن الوصول فقط، بل بنتائج الوصول؛ لا تنظر إلى القدرة على الفعل وحدها، بل إلى أثره في محيطها الإقليمي والدولي. ومن ثم، فإن اختيارها للصبر الاستراتيجي لا يعكس ترددا، بل يعكس تحكما واعيا في أدوات القوة.

وهي، بما تملكه من ثقل اقتصادي عالمي، ودور محوري في استقرار الطاقة، تدرك أن أي قرار تتخذه يمتد أثره إلى ما هو أبعد من حدودها، ولذلك توازن بين حقها المشروع في الرد، وبين مسؤوليتها في حفظ الاستقرار. فهي دولة تملك القدرة، وتملك المشروعية، لكنها تختار أن توظفهما ضمن إطار منضبط يعكس مكانتها.

وعليه، فإن مسافة السكة - في معناها الأعمق - ليست مجرد سرعة في التحرك، بل اختبار في دقة الحساب. فالدول وشعوبها لا تقاس بمدى سرعة اندفاعها، بل بقدرتها على تقدير المسافة قبل قطعها، وعلى إدراك أن القوة، مهما بلغت، لا تغني عن حسن التقدير وضبط النفس.