عيد الفايدي

الجار اللدود في العيد

الأحد - 29 مارس 2026

Sun - 29 Mar 2026

في كل مرة يطل فيها العيد، يعود إلى الواجهة صوت أبو الطيب المتنبي، وكأنه لم يغادر وجدان الثقافة ودوايين الشعر منذ قرون. لم يكن المتنبي يصف العيد بقدر ما كان يضعه في مواجهة السؤال الأكبر: كيف يمكن للفرح أن يحضر في زمن مضطرب؟

قصيدته الشهيرة، التي قالها في ظرف شخصي، تجاوزت حدود زمانها لتصبح مرآة لحالات إنسانية متكررة. فالعيد، في جوهره، ليس مجرد تاريخ في التقويم، بل حالة شعورية تتأثر بما يحيط بها من أحداث. وبينما يظل العيد مرتبطا بدورة الزمن القمري، فإن معناه الحقيقي يتشكل وفق ما يعيشه الإنسان من استقرار أو اضطراب.

وفي هذا العيد استمر الجار (إيران) في العدوان على جميع دول الخليج، ليتغير وجه العيد. ولا يعود مناسبة للفرح الخالص، بل يتحول إلى مساحة تتجاور فيها المشاعر المتناقضة. هناك من استقبل العيد بثياب جديدة، وآخرون استقبلوه بقلوب مثقلة، أو ببيوت فقدت بعض ساكنيها. في هذه اللحظات، يصبح العيد أشبه بسؤال مفتوح: هل ما زال للفرح مكان؟

إن الحرب لا تقتصر آثارها على ساحات القتال، بل تمتد لتطال تفاصيل الحياة اليومية، فتبدل معنى المناسبات، وتفرغها أحيانا من مضمونها الطبيعي. ومع هذه وتلك، يبقى العيد تذكيرا ضمنيا بأن الحياة يمكن أن تعود إلى مسارها، وأن ما يبدو دائما قد لا يكون كذلك.

في هذا السياق، تبرز قضية أمن الجوار بوصفها أحد أهم مرتكزات الاستقرار. فالعلاقات بين الدول لا تبنى فقط على موازين القوة، بل على منظومة من القيم التي يأتي في مقدمتها احترام الجار وصون حدوده وأمنه. إن اختلال هذه القاعدة لا ينعكس على طرف واحد، بل يفتح دوائر متتالية من القلق وعدم الاستقرار تمتد آثارها إلى الجميع.

ولا يمكن الحديث عن أمن حقيقي في منطقة ما دون وجود حد أدنى من الثقة المتبادلة. فحفظ العهود ليس مجرد التزام قانوني، بل هو أساس بناء العلاقات المستقرة. كما أن المصالحة، مهما بدت صعبة، تظل الخيار الأكثر عقلانية في بيئات تتشابك فيها المصالح وتتعقد فيها التحديات.

إن العيد، في هذا المعنى، ليس فقط مناسبة دينية أو اجتماعية، بل فرصة للتأمل في القيم التي تحفظ التوازن الإنساني. فحين يستبدل منطق الصراع بمنطق التفاهم، وحين يقدم أمن الجار بوصفه امتدادا لأمن الذات، يصبح الحديث عن السلام أكثر واقعية، لا مجرد أمنية مؤجلة.

قد لا يتغير الواقع بين عيد وآخر، لكن بقاء هذا السؤال حيا - سؤال العيد - يذكر بأن الفرح ليس ترفا، بل حاجة إنسانية، وأن الطريق إليه يمر حتما عبر بوابات السلم، واحترام الجوار، والالتزام بالعهود.

وحين يأتي يوم يعود فيه العيد بلا قلق، ولا ظلال صراع، عندها فقط يستعيد معناه الحقيقي.

عيد بأية حال عدت يا عيد
أبالأسى أم لأمر فيك تجديد
أمسى الزمان وأوجاع البلاد طغت
والقلب من ثقل البلوى له جهد
ما بيننا والمنى بيداء موحشة
في كل فج من الفلوات تبعيد
يا عيد ما جئت بالبشرى نرتبها
بل جئت والشرق بالأهوال موعود
ليل يطول فلا نجم نعلقه
ولا سكون ولا في الأفق تحديد
تترى الصواريخ من طهران مندفعا
كأنما الأرض من أصدائها تئد
تهوي على الرياض، الله يحرسها
والعزم في صدرها بالله معقود
ودبي، والبحر من أحزانها خجل
كأن موجا بأسقام به مد
والكويت على وقع الأسى انتبهت
لا الفجر لاح ولا للصبح تمهيد
والمنامة، والأضواء خافتة
كأنما الفرح المأمول مفقود
وبغداد، يا جرح تاريخ نلوذ به
هل عاد فوق ضفاف النهر تغريد؟
ومسقط الحسن في بيضاء صافية
كأن في صدرها للهم تنهيد
ودوحة الخير لم تسلم من الغير
نالت، وفي صبرها بالإيمان تسديد
يا عيد، ماذا تبقى من بشارتنا؟
والجرح في كل دار بات مشهود
إنا صبرنا، وفي الأعماق ملحمة
لكن صبر ذوي الإيمان محمود
إنا إذا ضاق هذا الكون متسع
فنحن أوسع مما ينبت القيد
يا عيد، إن عدت يوما لا صواريخ في
أفق البلاد، فعهد الأمن معقود
عيد بأية حال عدت يا عيد
أبالأسى أم لأمر فيك تجديد
ومن وفى بالعهود استوثقت سبل
ومن نكث خانه في الدهر تأييد
والجار حق إذا ضاعت مواثيقه
فالظلم نار وبيت الظالم وقود
فالعود للسلم باب إن حفظناه
والصلح إن صدقت نياته عود