علي عبدالله باوزير

ملفات إبستين... والمنظومة الأمريكية

الأربعاء - 18 مارس 2026

Wed - 18 Mar 2026


تتعدد مراكز «الدراسات الأمريكية» حول العالم، وهي مراكز متخصصة في دراسة أمريكا كدولة ونظام ومجتمع وثقافة: سواء من الناحية العلمية الأكاديمية، أو من الناحية الاستراتيجية، كما تفعل مراكز الفكر.

لكن ما أتناوله في هذا المقال أبسط بكثير: فمنذ الطفولة وهناك صورة متداولة عن أمريكا على أنها المجتمع المنفتح الذي يتقبل الجميع... على أنها أرض الحرية والفرص والرفاهية... أرض «الحلم الأمريكي The American Dream».. أفضل مكان للهجرة في العالم، إلخ.

كانت صورة أمريكا أنها الدولة التي تدافع عن الديمقراطية والحرية وتوفر الرفاهية: فهي التي أسست النظام الدولي المبني على القواعد rules based international order، ودعت إلى حرية التجارة العالمية Free Global Trade. وهي الدولة التي وفرت الأمن لحلفائها ولم تتأخر عن حمايتهم (كما فعلت عند أزمة برلين عام 1961)، فأصبحت دول العالم تتقبل وجود القواعد الأمريكية على أراضيها... بل كانت صورة أمريكا أنها الدولة العظمى التي توفر الرفاهية - فوق الحماية - لحلفائها: كما فعلت مع كوريا الجنوبية وسنغافورة وتايوان. ولا ننسى الدولار الأمريكي: العملة الصعبة التي كانت رمز الأمان والاطمئنان لتخزين الثروة.

أما الإعلام الأمريكي فقد كان سيد العالم: يحرك العقول والقلوب حول العالم قبل أن يحركها في الداخل الأمريكي.

تلك كانت صورة أمريكا: الدولة التي يطمئن العالم إلى السير خلف زعامتها.. ويطلب حمايتها.

وهي الصورة التي أبدعت أمريكا في ترويجها سياسيا وإعلاميا.
لكن هذه الصورة انقلبت رأسا على عقب: من الدولة التي أسست النظام الدولي... ودعمت المنظمات الدولية بكل قوتها: سياسيا وماليا.. إلى الدولة التي تهدم النظام الدولي وتحارب المنظمات الدولية، ما دعا رئيس وزراء كندا: مارك كارني، إلى القول في المنتدى الاقتصادي العالمي الأخير إن النظام الدولي المعروف أصبح مجرد «وهم» تم تفكيكه على مدى العقدين الماضيين.

ومن الدولة التي دعت إلى حرية التجارة العالمية و»العولمة» Globalisation.. إلى الدولة التي ترفع حواجز الحماية التجارية بأعلى ما يمكنها، والانتقال من دعم الحلفاء والتعامل معهم بدبلوماسية.. إلى ابتزاز الحلفاء، وتعريضهم للمخاطر.

ومن استناد الحكومة الأمريكية في قراراتها الكبرى على مبررات ديمقراطية وأخلاقية وقانونية... إلى الاعتماد في التعامل على القوة الفجة: سواء كان التعامل مع الأعداء، أو الحلفاء: ما دفع بعضهم إلى البحث عن التحالف مع جهات أخرى.

وحتى الدولار الأمريكي تحول من مصدر أمان اقتصادي إلى سلاح بيد أمريكا، تستخدمه وسيلة لتجميد البنوك الأجنبية والأرصدة، أو قطع الدول عن مقاصة الدولار، أو غير ذلك.

فأصبحت أرصدة الدولار مصدر خطر على الدول التي تعتمد عليها اعتمادا كليا، ويجب البحث عن بدائل غيرها.

كما تزامن تغير صورة أمريكا الخارجية مع تغيرات كبرى في داخل أمريكا ذاتها: فانتقلت الديمقراطية الأمريكية من خطاب سياسي يبحث عن أكبر درجة من التوافق ما بين أبناء الشعب إلى خطاب سياسي لا يهتم سوى بما يريده نصف المجتمع الأمريكي، ويتجاهل تماما ما يريده «النصف الآخر»، ثم تطور الأمر حتى وصلت السياسة الأمريكية إلى الاهتمام فقط بما تريده «طبقة المانحين Donor Class»، من شخصيات تدعم السياسيين ماليا وعندها ثروات تقدر بالبلايين من الدولارات، ومن خلفها مؤسسات اقتصادية وإعلامية عملاقة تمثل مصالح من هم أقل من 1% من المجتمع الأمريكي، وهي شخصيات ومؤسسات لا تخفى علاقتها بإسرائيل!

والمجتمع الأمريكي ذاته تحول من مجتمع منفتح يتقبل المهاجرين على اختلاف أعراقهم وأديانهم... إلى العنصرية المكشوفة، وهي عنصرية بذل الإعلام الداعم لإسرائيل جهده في تغذيتها بالتحريض على العرب والمسلمين، حتى أصبح العنف والعنصرية يمارسان ضدهم بصفة رسمية، خاصة من بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 التي لا يخفي الدور الإسرائيلي فيها.

ومن بعدها صار التعامل بعنف وعنصرية مع عامة الشعب الأمريكي من خلال جهاز أمني لا تقيده مبادئ إنسانية أو أنظمة وقوانين: فشهدنا في ولاية منيسوتا Minnesota ما فعلته وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية U.S. Immigration and Customs Enforcement (ICE)، من قتل مواطنين أمريكيين بدم بارد على أيدي جنودها الذين تلقوا التدريب في إسرائيل، وحتى المسيرات التي استخدمتها تلك الوكالة ضد المواطنين الأمريكيين تم تطوير خوارزمياتها في مذبحة غزة التي تجري حاليا!

وتراجع مستوى المعيشة الأمريكي إلى حد كبير، حتى أصبحت 51% من الأسر الأمريكية لا تقدر على تحمل المصروفات الأساسية، كما تراجع حجم الاقتصاد الأمريكي إلى النصف مما كان عليه في حقبة الخمسينيات بالنسبة إلى حجم الاقتصاد العالمي، بينما تراكمت الديون على الحكومة الأمريكية حتى بلغت 38.6 تريليون دولار، وهو ما يعادل أكثر من 120% من الناتج القومي الأمريكي، وهي ديون في تزايد مستمر.

ولن يستطيع الرئيس ترامب تخفيف أزمة الديون طالما أن إسرائيل تدفع أمريكا إلى حروب تتكلف مبالغ طائلة: فالحرب التي قادتها أمريكا على «الإرهاب» - والتي استهدفت أساسا قوى معادية لإسرائيل - قد كلفت أمريكا 8 تريليونات دولار حتى الآن... بل إن حرب العراق التي دخلت فيها أمريكا بتحريض إسرائيلي، قد تكلفت وحدها 3 تريليونات دولار.

والحرب الإيرانية الأخيرة تم دفع أمريكا لخوضها بالنيابة عن إسرائيل تزامنا مع احتلال إسرائيل لجنوب لبنان وسيطرتها على جنوب سوريا لتحقيق خطوة هامة نحو حلم إسرائيل «من النيل إلى الفرات»، وهو حلم يفوق قدرات إسرائيل بمراحل وكان لا بد لدعمه من تدخل عسكري أمريكي مباشر. هذه الحرب تزيد الديون المتراكمة على أمريكا وتزعزع تحالفات أمريكا الإقليمية والدولية، وليست حربا دفاعا عن النفس ولا حتى عندها تفويض من مجلس النواب الأمريكي، وإنما هي حرب وصفها نتانياهو أنها بداية «شرق أوسط جديد»!

وهي حرب قد تهدد بخلق أزمة طاقة عالمية غير مسبوقة، خاصة بعد القصف الأمريكي لجزيرة خرج التي يمر من خلالها 90% من النفط الإيراني.
بينما كان الرئيس ترامب يدعو الشعب الأمريكي لانتخابه كـ«رئيس السلام» الذي يتعهد بـ«إنهاء الحروب»... فانتهى به الأمر وهو يشعل الحروب منذ أول سنة في رئاسته!

كل ذلك قد يؤدي في النهاية إلى خروج أمريكا عسكريا من المنطقة... ويحقق أحد أهم أهداف إسرائيل بأن تصبح هي القوة المهيمنة الوحيدة في منطقتنا dominant regional power، وهو ما لا يمكن أن يتحقق مع بقاء أمريكا قوة مسيطرة في المنطقة ذاتها.

فالارتباط الأمريكي الخانق بإسرائيل يجعل أمريكا تتناقض مع نفسها وتخالف مصالحها، كما يجعلها عاجزة عن قيادة العالم سياسيا من خلال الأمم المتحدة: لأن إسرائيل دولة مارقة طالما انتهكت القانون الدولي والإنساني، والارتباط بإسرائيل قد دفع أمريكا إلى استخدام حق النقض المعروف بـ»حق الفيتو» أكثر من خمسين مرة لحماية إسرائيل من قرارات الأغلبية في مجلس الأمن... كما أن إسرائيل تدفع أمريكا إلى محاربة المنظمات الدولية، بالرغم من أن بعضها منظمات كانت أمريكا من أكبر داعميها ومموليها، مثل مجلس حقوق الإنسان، ومنظمة اليونسكو، ووكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين التي كانت أمريكا أكبر ممول لها، وحتى منظمة الصحة العالمية WHO التي اتهمت بـ»معاداة السامية»!!

حتى انتهى الأمر بأن أصدر الرئيس ترامب الأمر التنفيذي بانسحاب أمريكا من 66 منظمة دولية، وبأن أمريكا شنت حربا على إيران دون أن تمثل إيران تهديدا لأمريكا، وحتى دون مناقشة الموضوع في الأمم المتحدة، كأن النظام والقانون الدولي والأمم المتحدة لا وجود لهم!

والإعلام الأمريكي فقد مصداقيته هو الآخر: سواء في الداخل الأمريكي أو حول العالم، بعد أن تبينت تغطيته على الجرائم الشنيعة التي ترتكبها إسرائيل، وأدرك الناس أن الإعلام الأمريكي لا يغطي الأخبار بل يغطي على الأخبار.

وتراجعت الثقة في الدولار الأمريكي كعملة احتياط عالمية وأحد أهم وسائل النفوذ الأمريكية، منذ فقد الكثيرون ثقتهم في الدولار كملجأ آمن لثروتهم بعد أن أصبح سيفا مسلطا على الرقاب.

وحتى التواجد العسكري الأمريكي على أراضي بعض الدول لم يعد ينظر إليه كمصدر حماية، بل أصبح ينظر إليه كمصدر خطر قد يؤدي بالدولة إلى التورط في صراعات لا تخصها.

هذه التغيرات الكبرى في أمريكا وصورتها أدت إلى فقدان أمريكا ثقة العالم واحترامه لها، وبتعبير أكاديمي: فقدان أمريكا «قوتها الناعمة». والقوة الناعمة لا غنى عنها لأي دولة حتى تحافظ على شرعيتها، ولا بد منها لبناء تحالفات قوية وتوسيع النفوذ الدولي، بينما اللجوء إلى القوة الصلبة عالي التكلفة وغير فعال على المدى الطويل.

وقد تزامن فقدان أمريكا «قوتها الناعمة» مع انكشاف مدى الفساد السياسي والأخلاقي للنخبة الأمريكية المتحكمة. ومن هنا كانت أهمية النظر إلى ملفات إبستين Epstein Files التي كشفت علاقة إسرائيل بهذا الفساد الجسيم، وفضحت الابتزاز الإسرائيلي لقيادات سياسية وثقافية وعلمية وكبار رجال الأعمال ومؤثرين في الرأي العام وغيرها من شخصيات الصف الأول من النخبة الأمريكية من خلال توريطهم في فضائح أخلاقية وجنائية، ومن ثم استخدام هذه الفضائح لابتزازهم حتى تحافظ إسرائيل على قبضتها الخانقة على المنظومة الأمريكية، ما يمكنها أن تفرض تغيرات كارثية في أوضاع أمريكا وفي صورتها، وأن تثبت التبعية الأمريكية المطلقة لإسرائيل ومصالحها، مهما أضرت هذه التبعية بمصالح أمريكا وتعارضت مع مبادئها وأدت إلى تدهور أوضاعها الداخلية، وفقدان أمريكا صورتها ومكانتها العالمية!

وما زال الإعلام الأمريكي يتحاشى الإشارة إلى العلاقة ما بين ملفات إبستين وإسرائيل، ويعرض القضية على أنها جرائم فردية، ارتكبها أشخاص منحرفون.... حتى يستمر ابتزاز أولئك الأشخاص سياسيا
ويبقى المجرم الحقيقي في الخفاء! لكن، إلى متى؟؟