نوف علي الزامل

معضلة الدراما السعودية

الثلاثاء - 17 مارس 2026

Tue - 17 Mar 2026

من تجربة والتي حدثت معي شخصيا، لفتني ما قاله أحد المنتجين، إذ تفوه بجملة اختزلت الكثير من التساؤلات حول واقع الدراما اليوم "السوق اليوم لا يطلب أعمالا ثقيلة بقدر ما يطلب أعمالا قليلة الكلفة إنتاجيا.. وتغرق السوق!"

استوقفته برهة وسألته: ماذا بشأن النصوص؟ وعاجلني قائلا وبلا تردد: يحبذا نصوص كوميدية". وساعتها انتهى الحديث عند هذا الحد. لكن السؤال المشروع وربما الملح: هل أضحى الأمر فعلا على هذا النحو من التسطيح أم ثمة حقيقة خلف الستار؟ وماذا بشأن أزمة النص التي باتت شماعة جاهزة لكل من يعلق بذريعة غياب الأعمال الدرامية الكبيرة. وهذا يقودنا للقول: إن كل عمل درامي ناجح يقوم على جملة ركائز وهي العناصر ذاتها التي تساهم في نجاح أي مشروع، سواء أكان تلفزيونيا أو سينمائيا أو حتى دعائيا. وعلى رأس هذه الركائز يتصدر المنتج بوصفه في نهاية المطاف هو صاحب القرار الأول: فهو من يختار النص، وهو من يحدد حجم المشروع، واستطرادا هو من يقرر إن كان العمل سيولد كبيرا أو سيبقى في كنف الإنتاج السريع المحدود الذي يملأ الشاشات لموسم واحد وبلا مضمون أو هدف.

وبكلمة أخرى حين تكون نظرة المنتج للأعمال كسلعة وليست كمشروع ثقافي وفني قادر على أن يترك أثرا وبصمة تجير للأجيال القادمة، رغم علمنا اليقيني بأنه يعمل داخل منظومة سوق لها حساباتها، وتتحكم في كثير من الأحايين في معادلة الكلفة وتحت محك معايير الربحية فتطغى على الهدف الأساسي وهو الفكرة والنص والقصة. من هنا تكمن المعضلة، فتتحول بعض الأعمال الدرامية تدريجيا إلى أعمال هشة، لا تحمل في مضامينها قصة، فتصبح الشاشة والحالة هذه مليئة بالأعمال بل لنقل ضاجة لكنها فارغة من المعنى، نصوص ركيكة، شخصيات سطحية، ناهيك عن حكايات يمكنك التنبؤ بها من الحلقة الأولى! وبمعنى أوضح، أعمال لا يراد لها أن تبقى في ذاكرة المشاهد، بل تنتج لتستهلك ثم تتلاشى على حين غرة. والمثير للسخرية أن أصابع الاتهام غالبا ما توجه إلى كتاب النصوص، فيقال إن هناك أزمة نصوص، وإن الكتابة الجيدة نادرة وكأن المشكلة في القلم لا في القرار الإنتاجي. بينما الحقيقة أبسط من ذلك: النص الجيد يحتاج من يتبناه وإن زادت الكلفة وهذا لن يضير المنتج بل العكس هو الصحيح، فالعائد المادي سوف يزداد مع جودة العمل وزيادة التوزيع إذا ما كانت النظرة أبعد، وهذا ما يفتقده الكثير من المنتجين.

نحن اليوم أمام مواهب عظيمة وجيل واعد ينتظر دوره على مختلف المجالات، لكن هذه المواهب تحتاج إلى الالتفات لها، الإيمان بها، وإعطائها المساحة الكافية للتعبير عن ما في مخيلتها. سوق الدراما بحاجة لهؤلاء، إذا ما أردنا أن تبقى القصص هوية للمجتمع، تترعرع معنا، حتى تصبح ذاكرة تحفظ هوية الإنسان والمكان وتترك أثرها على مر الزمان، فحين تروى بصدق تكون مرآة للمجتمع، نرى فيها أنفسنا، تناقضاتنا، وحتى أحلامنا. إن أمتنا تحمل في جعبتها الكثير من الإرث، من الحكايات والتاريخ، التي تستحق أن تروى وتصور بأبهى صورة، والفكرة التي أؤمن بها وأرددها على الدوام هي أن الدراما ليست فنا وحسب، بل وسيلة لحفظ التاريخ وإعادة روايته للأجيال بصورة تليق بعمق الهوية السعودية وثرائها، ليبقى موروثنا حيا. يبقى القول: على المنتج بادئ ذي بدء أن يغلب جودة العمل على الربح السريع، علما وكما أشرنا إلى أن جودة العمل سوف تضاعف الربح لاحقا لكنها في الآن نفسه ترسخ العمل ويصبح أيقونة نافعة جيلا بعد جيل إلى ذلك يكون العمل قد جمع بين الحسنيين.

الأكثر قراءة