حين تتحدث الرياض... يتأكد أن أمن الخليج خط أحمر
الثلاثاء - 17 مارس 2026
Tue - 17 Mar 2026
لم يكن بيان وزارة الخارجية السعودية الذي تجدد فيه إدانة الاعتداءات الإيرانية مجرد تعبير دبلوماسي عابر، بل جاء رسالة سياسية واضحة تعكس ثبات الموقف السعودي تجاه ما تشهده المنطقة من توترات واستفزازات لا تخدم الاستقرار ولا تعزز علاقات حسن الجوار بين الدول.
فالمملكة العربية السعودية، عبر تاريخها السياسي والدبلوماسي، عرفت بنهج الحكمة والاتزان، وكانت دائما تدعو إلى الحوار وتغليب لغة العقل والبحث عن حلول تعزز الاستقرار في المنطقة. غير أن هذه السياسة المتزنة لم تكن يوما تعني التهاون في حماية أمن المملكة أو أمن محيطها الخليجي، بل ظلت قائمة على معادلة متوازنة تجمع بين الحكمة والحزم.
وقد حمل البيان في مضمونه رسائل واضحة تؤكد رفض المملكة لأي اعتداء أو تصرف عدائي يستهدفها أو يستهدف أيا من دول مجلس التعاون الخليجي، مشددا على أن مثل هذه الممارسات تمثل تهديدا مباشرا لاستقرار المنطقة وأمن شعوبها.
كما أعاد البيان التأكيد على حقيقة راسخة في الرؤية الخليجية المشتركة، وهي أن أمن المملكة جزء لا يتجزأ من أمن دول مجلس التعاون، وأن أي تهديد يطال دولة خليجية يعد في جوهره مساسا بأمن المنظومة الخليجية بأكملها. وهذه الحقيقة لم تعد مجرد شعار سياسي، بل أصبحت واقعا أكدته مواقف التضامن والتنسيق المستمر بين دول المجلس في مواجهة التحديات المشتركة.
ومن الرسائل المهمة التي حملها البيان أيضا التأكيد على ضرورة احترام سيادة الدول والالتزام بمبادئ حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وهي القواعد التي تقوم عليها العلاقات الدولية المستقرة، والتي طالما دعت إليها المملكة في مواقفها السياسية والدبلوماسية.
ويأتي هذا الموقف السعودي في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات سياسية وأمنية متسارعة، بينما تمضي دول الخليج قدما في مسارات التنمية والانفتاح الاقتصادي وبناء شراكات دولية واسعة، الأمر الذي يجعل الحفاظ على الاستقرار الإقليمي ضرورة استراتيجية لضمان استمرار هذه المسيرة التنموية.
وقد أثبتت التجارب أن دول مجلس التعاون الخليجي عندما تتكاتف تصبح قوة استقرار وتوازن في المنطقة، وأن التضامن الخليجي لم يعد إطارا سياسيا فحسب، بل حقيقة رسختها المواقف المشتركة والتحديات المتشابهة التي تواجه دول المنطقة.
أما إيران، وهي تواجه اليوم تحديات سياسية واقتصادية متزايدة، فإن الحكمة السياسية تقتضي مراجعة سياساتها تجاه جيرانها، فالجغرافيا لا تتغير، ومصالح الشعوب تبقى مرتبطة بحسن الجوار وبناء علاقات تقوم على الاحترام المتبادل وعدم التصعيد.
وهنا تبدو رسالة الرياض واضحة في مضمونها ودلالاتها: أن دول الخليج تسعى إلى الاستقرار وتعمل من أجل السلام، لكنها في الوقت ذاته قادرة على حماية أمنها وصون سيادتها. وأن سياسة الحكمة التي تنتهجها المملكة ليست ضعفا، بل تعبير عن ثقة دولة تدرك مسؤولياتها الإقليمية ومكانتها الدولية.
ختاما، هذا الشهر الكريم، شهر الرحمة والسكينة، تبقى الدعوات الصادقة بأن يحفظ الله المملكة العربية السعودية قيادة وشعبا وأرضا، وأن يديم على دول الخليج وشعوبها نعمة الأمن والاستقرار ووحدة الصف.
ونسأل الله أن يجعل من أيام رمضان المباركة فرصة لتعزيز روح التآخي وتغليب الحكمة في منطقتنا، والسلامة والاطمئنان، وأن يجنب أوطاننا أسباب التوتر والصراعات، وأن يحفظ قياداتنا وشعوبنا من كل سوء، وأن يديم علينا نعمة الأمن والاستقرار.
اللهم احفظ بلادنا وبلاد المسلمين، وأدم عليها السلام والاستقرار.
abdsheikha@