عبدالحليم البراك

العلاج بالتسوق

الثلاثاء - 17 مارس 2026

Tue - 17 Mar 2026


وهنا أتكلم عن العلاج النفسي في التسوق، وبغض النظر عن هل هذه الفكرة سليمة أم لا، وهل لها أصل علمي يستند إليه أم لا، وهل هي مفيدة أم ضارة، وهل هناك من صاغ الفكرة قبل هذه الكلمات أم لا، ولكن المؤكد أنها حل لمن لا حل له.

تبدأ الفكرة أصلا أن في حالة الإرهاق النفسي والخروج من تلك الحالة يلجأ البعض للبحث عن هرمون فريد من نوعه يمنحه السعادة (سعادة دائمة أم مؤقتة، سعادة حقيقية أم مزيفة، سعادة بطريقة صحيحة أم بطريقة خاطئة لا يهم) المهم هو هرمون السعادة المدعو بالسيد: دوبامين والمسؤول عن الشعور بالبهجة وعن أشياء كثيرة منها نسيان الماضي والفرح والفرفشة.

أفضل طريقة لإفراز هرمون السعادة بدلا من الفضيحة عند طبيب نفسي هي أن تشتري شيئا يسعدك نفسيا ويهزم فكرة أن تزور أخصائيا نفسيا أو طبيبا نفسيا، والطريفة بسيطة جدا؛ أن تفتح الكرتون؛ أن تتبختر في المشترى لعيون المشتري! وإن كنت دافعا أموالك على كل حال، فلا تدفعها على صيدلية أو معالج نفسي بل ادفعها على تغيير الأثاث أو سيارة جديدة أو تحويل سيارتك القديمة لكرفان للرحلات البرية أو سفر بتذكرة ذهاب دون عودة.

أما الدوافع الحقيقية للبحث عن هذه النوعية من الأدوية (أدوية التسوق) وتجاهل الأدوية الحقيقية فهي كثيرة، ولعل أبرزها الانتقام من شخص ما، أو من حالة ما، أو من مجتمع ما؛ وهذا بحد ذاته انتصار للنفسية المرهقة على الواقع المعاش! وثمة دافع آخر، فإن ألم الإنفاق يزول في أقسى حالة نفسية لأنك في هذه اللحظة لا تفكر في المال، بل تفكر في نفسيتك، ويقول الحكيم غير الحكيم: لو صلحت نفسيتك صلح مستقبلك.

بقي أن نقول إن لذة التجول في المول ومعك مبلغ غير قليل، وأنت عازم على بعثرته لا توازيها لذة، ولا أجمل من الماركات إلا حمل شنط الماركات، بل عبواتها التي تفوق جودتها جودة المنتج نفسه، بل أظنك مثلي تفكر عشر مرات قبل أن تتخلص من صناديق الماركات، ولا أجمل من لحظة الشراء الالكتروني إلا لذة لحظات التوصيل، كل هذه اللذات تجتمع في لحظة واحدة عندما يقول لك أحد أفراد أسرتك أو أصدقائك بعد رؤية التغييرات: كفو! بعبارة أخرى تم تحسينها «نحن لا نتسوق لحاجتنا لما نود أن نقتنيه بل نشتريه لنرى نظرة (كفو) في عيون من لا يهمنا أمرهم أصلا».

كل شيء شاهدناه من عجائب الدنيا إلا استغلال الحالة النفسية للناس من قبل المسوقين والمعلنين، ولكني أتوقع حضورهم في أي لحظة تحت بند: دوبامين جاهز مع كل قطعة ودوبامين آخر مجانا!

أعراض ما بعد الشراء: هزال شديد في المحفظة، ندم مصحوب بحرارة شديدة بسبب أن معظم الأشياء التي اشتريتها لم تكن بحاجة لها، وثمة عرض آخر وهو لو أنك جمعت كل هذه المشتريات لكانت تعادل قيمة أرض في شارع تجاري!

عزيزي القارئ، إذا شعرت بضيق التنفس بعد قراءة هذه الكلمات، فلا تذهب للمشفى، بل اذهب لأقرب مجمع تجاري واشتر عطرا برائحة (الاستقرار المادي المفقود)، وتبختر به. فالعمر زائل، والمحفظة العامرة لا تدوم، واصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب والعلم معا، وكن واثقا يا صاحبي أن الدوبامين باق في الذاكرة (حتى نهاية الشهر فقط). في الختام، نحن لا نعالج أنفسنا بالتسوق، نحن فقط نقوم بتغيير نوع القلق؛ من قلق نفسي إلى قلق مادي.. وهذا بحد ذاته تغيير مرغوب!

Halemalbaarrak@