شاهر النهاري

الحرب تظهر صدق ووفاء الأصدقاء

الاثنين - 16 مارس 2026

Mon - 16 Mar 2026


تعيش منطقة الخليج في هذه الأيام مرحلة ثقيلة في تاريخها؛ لم تخترها، ولكنها وجدت نفسها في معترك مصداقيتها.

فالحروب لا تستأذن التدرج، بل تفرض نفسها بوقائع صخبها وخطورتها.
وهكذا وجدت دول الخليج بلدانها ومكتسباتها تتعرض لمقذوفات ومسيرات وأخطار عنف متلاحقة، رغم عوامل تحضرها ورؤيتها للتهدئة والتنمية والاستقرار.

ولكنها أثبتت تماسكها وقدرتها على صد التعديات، ومنع عشوائية الحرب، عبر تمسكها بالحكمة، وبعد النظر، فلا تتحول أراضيها إلى ساحة فوضى تدفع أثمانها الشعوب والأرض والمستقبل.

السعودية لم تكن يوما دولة هامشية في هذه المنطقة، بل كانت القلب النابض بالخير، والشقيقة الكبرى التي تمتلك الحكمة وتمد أياديها إلى الجميع.

والتاريخ يثبت إنها لم تتأخر يوما عن الوقوف مع أشقائها العرب والمسلمين في مختلف أزماتهم، إنسانيا واقتصاديا وسياسيا، فتظل أما للخير، وأرضا للعطاء، وملاذا مفتوحا لمن ضاقت بهم الظروف.

روح دعم أخوية حاضرة تستمر حتى في أحلك الظروف، بثقافة عربية عميقة ترى أن الوقوف مع الآخرين ليس فضلا يمن به، بل واجب تمليه القيم قبل السياسة والموازنات.

وكم نتذكر في مثل هذه اللحظات حكمة الأجداد بأن الصديق وقت الضيق، خلاصة تجارب طويلة في فهم وقياس طبيعة البشر.

وقد قال العرب أيضا: جزى الله النوائب كل خير، عرفت بها صديقي من عدوي!
فالمحن، على قسوتها، تملك قدرة عجيبة على كشف ما كان خافيا، وتعيد ترتيب الصور والمقامات في الذاكرة.

فحين تضيق الظروف، تتضح أصالة الأنفس ونبل المواقف؛ كلمات صادقة هنا، ومؤازرة هناك، وتعليقات دعم تمر في فضاء الحديث العام، وتكشف أحيانا ما لم يكن يقال من قبل.

فالأزمات مخبار مصداقية للمواقف والمشاعر المختبئة في الأنفس الحبيبة والمريضة على السواء!

صمت الصديق الكاذب مؤلم، ونقص تفاعله حدث كارثي، ومحاولاته نكران ما قدم له من خير ودعم في أزماته السابقة ورطة أخلاقية، واصطفافه مع العدو فاجعة، وتعليقاته الفرحة والشامتة كارثة، وسعادة الصديق برؤية المصيبة تصيب من كان له الفضل عليه حكاية معدن وجوهر!

ومع ذلك، فإن الحكمة السعودية والخليجية كانت تقتضي أن ننظر إلى هذه المشاهد بهدوء القادر.

فلا نختصر الشعوب في كلمات تقال في لحظات انفعال، بل نتعلم من التجارب أن الخير الذي يقدم للآخرين لا ينبغي أن يكون مشروطا برد الجميل، لأنه في جوهره فعل أصالة أخلاقية قبل أن يكون موقفا سياسيا.

ورغم قسوة الأزمة الحالية، إلا أنها تعيد ترتيب الأشياء في الذاكرة الخليجية، فنكون أكثر وعيا بطبيعة العلاقات، ما يجعلنا أكثر تقديرا لأولئك الذين يثبتون أن الأخوة ليست مجرد كلمة عابرة، بل موقف صادق يظهر حين يحتاجه الصديق.

أما الخير الذي قدمته السعودية ودول الخليج عبر السنين، فلن يفقد قيمته، لأنه لم يكن يوما تجارة أو مسابقة في أسواق السياسة، بل كان امتدادا لقيم متجذرة في أصالة الأرض العربية؛ بالشهامة والفزعة، والكرم والنجدة والوفاء والوقوف مع الجار حتى ولو جار.

الأزمات تمر، والحروب تنتهي، لكن ما يتكشف من حقائق المواقف يستمر ويغلب.

ولا ندم ولا توقف عن تقديم العون للمأزوم، فقد قال أجدادنا: الوفاء من شيم الكرام، والغدر من صفات اللئام.

shaheralnahari@