نوف علي الزامل

كيف تعيد الدراما تشكيل الهوية السعودية؟

الخميس - 12 مارس 2026

Thu - 12 Mar 2026

الدراما اليوم أضحت مسؤولية بوصفها أعمق من مجرد حكاية تروى، هي إن صح التعبير مرآة تعكس الهوية السعودية التي تشكلت عبر تحولات كبرى، من زمن البادية ما قبل النفط، وصولا إلى مرحلة الرؤية 2030. تجدر الإشارة إلى أن الهوية في زمن البادية لا تنحصر فحسب في الرطانة أو اللباس والديكور، بل تكمن في طريقة تفكير الشخصية، في منظومة قيمها، في شكل السلطة في محيط عائلتها، في علاقة الإنسان بأرضه وتاريخه، في صراعاته التي قد تريق دمه غيرة وحمية! وهنا نطرح السؤال: كيف نوظف موروثنا القيم الذي تشكل منذ تلك الحقبة، ليظل امتدادا للأجيال القادمة كذاكرة حية تحمل معاني التضحيات والقيم بأنصع صورها.

حين نذكر عبارة "مسلسل بدوي" سيتراءى إلى الذهن على الفور الصورة النمطية للخيل، والسيوف والنزاعات على السلطة. فقبل الطفرة النفطية، كانت الهوية السعودية مرتبطة بالعصبية القبلية والتعويل على المناطقية، وتتشكل قيمها عبر الفروسية والشرف والانتماء الجماعي، وكيف يحل نزاعاته مع أبناء عمومته، وكان هدفه الأسمى آنذاك أن يصل للسلطة، لكن اختزال تلك المرحلة في الصراعات على السلطة دون غيرها يفقدها عمقها الإنساني، وإن شئنا الوجداني، فالهوية البدوية تحمل في طياتها معاني أخرى أعمق بكثير من الصورة النمطية والمعلبة إن جاز الوصف. حين نتحدث عن الرجل البدوي فنحن نتحدث عن الشهامة عن الشجاعة، عن قوة رباطة جأش الإنسان الذي استمد صلابته من علاقته الوطيدة والمتحدرة بالأرض، بالتربة، والحجر، وقوته من الصبر والبأس على الشدة. هناك تفاصيل صغيرة جدا حاكت منه شخصية يجب أن تروى وتذكر لتبقى. وفي السياق فالمرأة البدوية كانت سندا للرجل في حله وترحاله ولن تكفيها كلماتي لوصف قوتها وشجاعتها. وهنا تتجلى المسؤولية الدرامية: كيف نظهر الهوية خلف كل تلك التفاصيل، كيف نبني أبعاد الشخصية بعيدا عن القوالب الجاهزة، كيف نفهم طريقة تفكيره، دوافعه ومخاوفه وتردده بين سجال الرحمة والقوة، هيبته غيرته، شجاعته وتضحيته؟ توظيف الهوية البدوية دراميا يعني إعادة تفكيكها إنسانيا، وإعادة تركيبها بوصفها كيانا وجوديا شكل بدايات الهوية السعودية. إلى حين النفط تغيرت الملامح، فدخل التعليم، وظهر التمدن، وتبدلت أنماط العيش، فبدأت الأسئلة من نحن الآن؟ هل نحن امتداد للبادية أم مشروع حداثة؟ وكيف تمثل الشخصيات هذه الهوية في الدراما المعاصرة؟

ختاما، الهوية السعودية تاريخ يروى، ورؤية 2030 أعادت رسم صورتنا للعالم، والدراما اليوم هي المرآة الأقرب لنقل هذه الصورة، فأي اختزال أو تجميل مفرط لا يغيب التاريخ فحسب، بل يسلب معناها. الحفاظ على الموروث وصقل الهوية بحذافيرها وأدق تفاصيلها مسؤولية تقع على طواقم كل عمل درامي سعودي، لتظل رسالتنا حية، واضحة، وراسخة للأجيال القادمة.

الأكثر قراءة