فوضى التحليل في الأزمات!
الخميس - 12 مارس 2026
Thu - 12 Mar 2026
في أزمنة الاضطراب، لا ترتفع فقط أصوات الصواريخ، بل ترتفع معها أيضا أصوات البشر. ومع كل تصعيد سياسي أو عسكري، تمتلئ الشاشات والهواتف والمنصات بسيل لا ينقطع من التفسيرات والتوقعات والقراءات والتحليلات، حتى يصبح المشهد مزدحما إلى درجة يصعب معها على الإنسان أن يفرق بين الخبر والرأي، وبين المعلومة والانفعال، وبين التحليل الرصين والتهويل المجاني.
المنطقة اليوم تعيش بالفعل مرحلة شديدة الحساسية، مع اتساع المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وما تبع ذلك من اضطراب أمني واقتصادي واسع، وتعطل في حركة السفر، وارتفاع في منسوب القلق الإقليمي. وفي خضم هذا كله، صدرت وما زالت تصدر دعوات رسمية ودولية إلى التهدئة ومنع اتساع دائرة الصراع، وهو ما يكشف حجم الخطورة التي ينظر بها العالم إلى هذه المرحلة.
لكن اللافت في مثل هذه الظروف ليس الحدث وحده، بل طريقة الناس في التعامل معه. فجأة، يتحول كثيرون إلى محللين استراتيجيين. من كان بالأمس يشرح مباراة كرة قدم، أو يفسر ظاهرة اجتماعية، أو يعلق على الأسعار والأسواق، أصبح اليوم يتحدث بثقة عن مسارات الحرب، واحتمالات الرد، ونهايات الصراع، ومصير المنطقة، وكأنه كان حاضرا في غرف صناعة القرار، أو مطلعا على أسرار الدول، أو يقرأ ما لا يقرأه غيره. ثم لا يقف الأمر عند هذا الحد، بل تخرج أصوات أخرى تجر الناس إلى عوالم أكثر اضطرابا. حديث عن الملاحم، وربط مرتبك بين كل حدث سياسي وعلامات آخر الزمان، وقفز سريع إلى قصص الدجال ونزول عيسى عليه السلام، والنبوءات، والتأويلات التي لها أول، ولكن ليس لها آخر. وهنا لا يعود الخطر في الخبر نفسه، بل في الأثر النفسي الذي تتركه هذه الفوضى في الناس، حين يصبح الخوف صناعة، والقلق مادة يومية، والتهويل محتوى رائجا.
والحقيقة التي ينبغي أن تبقى حاضرة في الذهن دائما هي أنه لا أحد يعلم على وجه الدقة أين ستتجه الأمور. الدول الكبرى نفسها تعيد الحسابات، وتراجع الخيارات، وتبدل الخطط بحسب تطور الميدان والظروف والمصالح. أما العلم الكامل بالغيب والمآلات، فهو عند الله عز وجل وحده. ولهذا فإن أكثر ما ينبغي الحذر منه في هذه الأيام هو أولئك الذين يتحدثون بيقين مفرط عن أمور لم تستقر بعد، ويرسمون نهايات حاسمة لأحداث ما زالت مفتوحة على احتمالات كثيرة.
إن الإنسان العاقل لا يجوز له أن يجعل عقله ومستوى طمأنينته رهنا لكل من فتح كاميرا هاتفه، أو جلس أمام ميكروفون، أو ظهر في استوديو أنيق، ثم قرر أن يمنح الناس تفسيرا نهائيا لما يجري. فالمظهر لا يصنع مصداقية، والثقة في الأداء لا تعني صحة المحتوى، وكثرة المتابعين ليست دليلا على صحة التحليل. ولهذا، فإن من أهم الواجبات في هذه المرحلة أن نمارس الانضباط في الاستماع، لا الانبهار بكل ما يقال. ليس كل ما يسمع يستحق أن يصدق. وليس كل ما يتداول يستحق أن يدخل إلى وعينا. فالإنسان قد يظن أنه يطالع الأخبار ليزداد فهما، بينما هو في الحقيقة يستهلك جرعات متواصلة من القلق والتشويش والتخمين.
ومن هنا تأتي أهمية الرجوع إلى المصادر الموثوقة، لا سيما ما يصدر من الجهات الرسمية في بلدنا. ليس لأن غيرنا لا يرى، بل لأن لكل جهة زاويتها، ولكل طرف مصلحته، ولكل منصة طريقتها في تأطير الحدث بما يخدم سرديتها الخاصة. أما نحن، فزاويتنا ليست زاوية المتفرج البعيد، ولا زاوية المهول، ولا زاوية الباحث عن الإثارة. زاويتنا هي زاوية وطننا، وقيادتنا، ومؤسساتنا الرسمية، وما يصدر عنها من مواقف ومعلومات وتوجيهات. وهذا ليس انغلاقا عن العالم، بل هو عين الوعي. فحين تضطرب الروايات، يصبح التمسك بالمصدر الموثوق نوعا من النضج. وحين تتصادم التفسيرات، يصبح الرجوع إلى مؤسسات الدولة دليلا على الرزانة والمواطنة الصادقة. الدولة ترى ما لا يراه الفرد، وتقدر ما لا يقدره المعلق العابر، وتتعامل مع الأحداث من موقع المسؤولية، لا من موقع الانفعال.
وفي مثل هذه الأوقات، لا تحتاج المجتمعات إلى مزيد من الأصوات المرتجفة، بل إلى مزيد من الثبات. لا تحتاج إلى من يضخم الخوف، بل إلى من يضبطه. لا تحتاج إلى من يسكب الزيت على النار بالكلام، بل إلى من يطفئ الفوضى بالعقل. فالحروب حين تقع لا تختبر فيها فقط قوة الجيوش، بل يختبر أيضا وعي الشعوب، وقدرتها على حماية نفسها من الانجرار خلف الإشاعة، أو الاستسلام للتهويل، أو الانقسام في تفسير ما يجري.
وأحد أخطر ما يمكن أن يحدث في مثل هذه الظروف هو أن تتحول المنصات إلى ساحات فوضى عقلية، يتكلم فيها الجميع، ويصدق فيها البعض كل شيء، حتى تصبح الحقيقة نفسها مختنقة بين آلاف الأصوات. وهنا تكون النجاة ليست في كثرة المتابعة، بل في حسن الانتقاء. وليست في معرفة كل ما يقال، بل في تجاهل كثير مما لا قيمة له. نحن لا نملك أن نوقف الأحداث الكبرى، لكننا نملك أن نختار كيف نتعامل معها. نملك أن نكون أكثر اتزانا، أكثر وعيا، أكثر حرصا على ألا نسلم عقولنا لكل عابر. أيضا، نملك أن نفهم أن زمن الأزمات ليس الوقت المناسب لتوسيع دائرة الاستماع، بل لتضييقها على الموثوق، والرصين، والمسؤول.
وفي النهاية، يبقى الواجب الأهم على كل فرد أن يحرس قلبه وعقله من الفوضى، وألا يجعل الخوف يتغذى من المقاطع المرتبكة، ولا من التفسيرات المرسلة، ولا من الخطابات التي تبني شهرتها على إثارة الذعر. فالطمأنينة لا تأتي من متابعة الجميع، بل من معرفة من ينبغي أن نتابع. والحكمة ليست في أن يكون لك رأي في كل شيء، بل في أن تعرف متى تصمت، ومتى تنتظر، وممن تأخذ الخبر، وعلى أي أرض تقف. في مثل هذه الأيام، ليس المطلوب أن نكون جميعا محللين سياسيين. بل المطلوب أولا أن نتوكل على الله ونثق به ثم نثق بقيادتنا الحكمية والشجاعة، وثانيا أن نكون ناضجين بما يكفي لنعرف أن كثرة الكلام لا تصنع فهما، وأن كثرة التوقعات لا تصنع حقيقة، وأن الأوطان تحمى أيضا بوعي أهلها، كما تحمى بجهود رجالها ومؤسساتها.
المنطقة اليوم تعيش بالفعل مرحلة شديدة الحساسية، مع اتساع المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وما تبع ذلك من اضطراب أمني واقتصادي واسع، وتعطل في حركة السفر، وارتفاع في منسوب القلق الإقليمي. وفي خضم هذا كله، صدرت وما زالت تصدر دعوات رسمية ودولية إلى التهدئة ومنع اتساع دائرة الصراع، وهو ما يكشف حجم الخطورة التي ينظر بها العالم إلى هذه المرحلة.
لكن اللافت في مثل هذه الظروف ليس الحدث وحده، بل طريقة الناس في التعامل معه. فجأة، يتحول كثيرون إلى محللين استراتيجيين. من كان بالأمس يشرح مباراة كرة قدم، أو يفسر ظاهرة اجتماعية، أو يعلق على الأسعار والأسواق، أصبح اليوم يتحدث بثقة عن مسارات الحرب، واحتمالات الرد، ونهايات الصراع، ومصير المنطقة، وكأنه كان حاضرا في غرف صناعة القرار، أو مطلعا على أسرار الدول، أو يقرأ ما لا يقرأه غيره. ثم لا يقف الأمر عند هذا الحد، بل تخرج أصوات أخرى تجر الناس إلى عوالم أكثر اضطرابا. حديث عن الملاحم، وربط مرتبك بين كل حدث سياسي وعلامات آخر الزمان، وقفز سريع إلى قصص الدجال ونزول عيسى عليه السلام، والنبوءات، والتأويلات التي لها أول، ولكن ليس لها آخر. وهنا لا يعود الخطر في الخبر نفسه، بل في الأثر النفسي الذي تتركه هذه الفوضى في الناس، حين يصبح الخوف صناعة، والقلق مادة يومية، والتهويل محتوى رائجا.
والحقيقة التي ينبغي أن تبقى حاضرة في الذهن دائما هي أنه لا أحد يعلم على وجه الدقة أين ستتجه الأمور. الدول الكبرى نفسها تعيد الحسابات، وتراجع الخيارات، وتبدل الخطط بحسب تطور الميدان والظروف والمصالح. أما العلم الكامل بالغيب والمآلات، فهو عند الله عز وجل وحده. ولهذا فإن أكثر ما ينبغي الحذر منه في هذه الأيام هو أولئك الذين يتحدثون بيقين مفرط عن أمور لم تستقر بعد، ويرسمون نهايات حاسمة لأحداث ما زالت مفتوحة على احتمالات كثيرة.
إن الإنسان العاقل لا يجوز له أن يجعل عقله ومستوى طمأنينته رهنا لكل من فتح كاميرا هاتفه، أو جلس أمام ميكروفون، أو ظهر في استوديو أنيق، ثم قرر أن يمنح الناس تفسيرا نهائيا لما يجري. فالمظهر لا يصنع مصداقية، والثقة في الأداء لا تعني صحة المحتوى، وكثرة المتابعين ليست دليلا على صحة التحليل. ولهذا، فإن من أهم الواجبات في هذه المرحلة أن نمارس الانضباط في الاستماع، لا الانبهار بكل ما يقال. ليس كل ما يسمع يستحق أن يصدق. وليس كل ما يتداول يستحق أن يدخل إلى وعينا. فالإنسان قد يظن أنه يطالع الأخبار ليزداد فهما، بينما هو في الحقيقة يستهلك جرعات متواصلة من القلق والتشويش والتخمين.
ومن هنا تأتي أهمية الرجوع إلى المصادر الموثوقة، لا سيما ما يصدر من الجهات الرسمية في بلدنا. ليس لأن غيرنا لا يرى، بل لأن لكل جهة زاويتها، ولكل طرف مصلحته، ولكل منصة طريقتها في تأطير الحدث بما يخدم سرديتها الخاصة. أما نحن، فزاويتنا ليست زاوية المتفرج البعيد، ولا زاوية المهول، ولا زاوية الباحث عن الإثارة. زاويتنا هي زاوية وطننا، وقيادتنا، ومؤسساتنا الرسمية، وما يصدر عنها من مواقف ومعلومات وتوجيهات. وهذا ليس انغلاقا عن العالم، بل هو عين الوعي. فحين تضطرب الروايات، يصبح التمسك بالمصدر الموثوق نوعا من النضج. وحين تتصادم التفسيرات، يصبح الرجوع إلى مؤسسات الدولة دليلا على الرزانة والمواطنة الصادقة. الدولة ترى ما لا يراه الفرد، وتقدر ما لا يقدره المعلق العابر، وتتعامل مع الأحداث من موقع المسؤولية، لا من موقع الانفعال.
وفي مثل هذه الأوقات، لا تحتاج المجتمعات إلى مزيد من الأصوات المرتجفة، بل إلى مزيد من الثبات. لا تحتاج إلى من يضخم الخوف، بل إلى من يضبطه. لا تحتاج إلى من يسكب الزيت على النار بالكلام، بل إلى من يطفئ الفوضى بالعقل. فالحروب حين تقع لا تختبر فيها فقط قوة الجيوش، بل يختبر أيضا وعي الشعوب، وقدرتها على حماية نفسها من الانجرار خلف الإشاعة، أو الاستسلام للتهويل، أو الانقسام في تفسير ما يجري.
وأحد أخطر ما يمكن أن يحدث في مثل هذه الظروف هو أن تتحول المنصات إلى ساحات فوضى عقلية، يتكلم فيها الجميع، ويصدق فيها البعض كل شيء، حتى تصبح الحقيقة نفسها مختنقة بين آلاف الأصوات. وهنا تكون النجاة ليست في كثرة المتابعة، بل في حسن الانتقاء. وليست في معرفة كل ما يقال، بل في تجاهل كثير مما لا قيمة له. نحن لا نملك أن نوقف الأحداث الكبرى، لكننا نملك أن نختار كيف نتعامل معها. نملك أن نكون أكثر اتزانا، أكثر وعيا، أكثر حرصا على ألا نسلم عقولنا لكل عابر. أيضا، نملك أن نفهم أن زمن الأزمات ليس الوقت المناسب لتوسيع دائرة الاستماع، بل لتضييقها على الموثوق، والرصين، والمسؤول.
وفي النهاية، يبقى الواجب الأهم على كل فرد أن يحرس قلبه وعقله من الفوضى، وألا يجعل الخوف يتغذى من المقاطع المرتبكة، ولا من التفسيرات المرسلة، ولا من الخطابات التي تبني شهرتها على إثارة الذعر. فالطمأنينة لا تأتي من متابعة الجميع، بل من معرفة من ينبغي أن نتابع. والحكمة ليست في أن يكون لك رأي في كل شيء، بل في أن تعرف متى تصمت، ومتى تنتظر، وممن تأخذ الخبر، وعلى أي أرض تقف. في مثل هذه الأيام، ليس المطلوب أن نكون جميعا محللين سياسيين. بل المطلوب أولا أن نتوكل على الله ونثق به ثم نثق بقيادتنا الحكمية والشجاعة، وثانيا أن نكون ناضجين بما يكفي لنعرف أن كثرة الكلام لا تصنع فهما، وأن كثرة التوقعات لا تصنع حقيقة، وأن الأوطان تحمى أيضا بوعي أهلها، كما تحمى بجهود رجالها ومؤسساتها.