سباق التقنية الحيوية بين الولايات المتحدة والصين
الخميس - 12 مارس 2026
Thu - 12 Mar 2026
عزيزي القارئ، تخيل أن سباق القوى الكبرى اليوم لم يعد يدور فقط حول الدبابات والطائرات والصواريخ، بل حول الجينات، والبيانات الطبية، واللقاحات، والأدوية البيولوجية المتقدمة. هذا ما يناقشه السياسي الأمريكي «تود تيهارت» في مقال له، حيث يصف العلاقة بين الولايات المتحدة والصين على أنها سباق حاد للسيطرة على التقنيات الحيوية، ويعبر عن خوف حقيقي من أن تخسر واشنطن هذا السباق إذا تبنت سياسات اقتصادية خاطئة، خصوصا في طريقة تسعير الأدوية.
يركز الكاتب على سياسة تناقش في أمريكا تسمى «تسعير الدولة الأكثر تفضيلا» (Most Favored Nation – MFN) فكرتها بسيطة ظاهريا: ربط أسعار الأدوية في أمريكا بمستوى الأسعار في دول أخرى، غالبا دول أوروبية. بمعنى آخر: إذا كانت ألمانيا أو فرنسا تدفع سعرا أقل للدواء نفسه، فلماذا يستمر المريض الأمريكي في دفع الأعلى؟ للوهلة الأولى يبدو هذا عادلا، لكن الكاتب «تيهارت» يحذر من أن هذه السياسة قد تضر بقدرة أمريكا على الابتكار أكثر مما تفيد المرضى على المدى البعيد.
يوضح الكاتب أن تطوير دواء جديد ليس مشروعا سهلا أو رخيصا؛ فهو قد يستغرق أكثر من عشر سنوات، ويحتاج إلى استثمارات بمليارات الدولارات، مع نسبة عالية من الفشل في الأبحاث والتجارب السريرية. لذلك يعتمد هذا القطاع على شهية المستثمرين للمخاطرة. فإذا جاءت الحكومة وفرضت قيودا صارمة على الأسعار، فإن العائد المتوقع على هذه المخاطرة سينخفض، وبالتالي يتراجع استعداد المستثمرين لتمويل الشركات الدوائية والتقنية الحيوية. النتيجة؟ عدد أقل من الأدوية الجديدة، وتباطؤ في الابتكار، حتى لو لم يظهر هذا الأثر فورا، بل بعد سنوات.
في الوقت نفسه، يذكر المقال بأن الصين تسير في الاتجاه المعاكس تماما. فبكين أعلنت منذ سنوات أن التقنية الحيوية «صناعة استراتيجية ناشئة»، وضخت مليارات الدولارات في مدن بحثية، ومراكز جينوم، وشركات دواء مدعومة من الدولة. ووفقا للأرقام التي يعرضها الكاتب، أصبحت الصين مسؤولة عن نسبة متزايدة من نشاط تطوير الأدوية عالميا، بل تتفوق على الولايات المتحدة في عدد التجارب السريرية المسجلة في بعض المؤشرات. هذا يعني أن الصين لا تريد أن تبقى مجرد مصنع ينتج أدوية طورها الآخرون، بل تسعى لتكون مركزا رئيسيا للابتكار الدوائي نفسه.
ويضيف الكاتب بعدا آخر مهما: سلاسل الإمداد الدوائي العالمية. الصين تهيمن اليوم على جزء كبير من إنتاج المواد الفعالة (APIs) والمواد الكيميائية الأساسية التي تستخدم في تصنيع المضادات الحيوية وكثير من الأدوية الجنيسة في العالم. فإذا فقدت الولايات المتحدة في المستقبل ريادتها في مجال الأدوية الحيوية والابتكارية أيضا، فقد تجد نفسها تعتمد على منافس استراتيجي في شيئين معا: التصنيع والابتكار. هذا الاعتماد يصبح خطيرا في أوقات الأزمات، مثل الأوبئة أو التهديدات الحيوية، حيث يكون الوصول إلى الأدوية واللقاحات جزءا من الأمن القومي، وليس مجرد موضوع تجاري أو صحي.
الكاتب يسلط الضوء أيضا على موقف الحلفاء الأوروبيين. بحسب «تيهارت»، تعتمد دول مثل ألمانيا وبريطانيا وفرنسا منذ عقود على الابتكار الدوائي الذي تم تمويله إلى حد كبير من السوق الأمريكية، بينما تطبق أنظمة تسعير تجعل أسعار الأدوية لديها أقل مما هي عليه في أمريكا. بمعنى آخر، يستفيد المرضى الأوروبيون من أدوية طورت بأموال المستثمر الأمريكي، لكن أنظمتهم الصحية تدفع أقل. من وجهة نظر الكاتب، هذا الخلل يحتاج إلى تصحيح، لكن ليس عن طريق نسخ نموذج التسعير الأوروبي داخل أمريكا نفسها، بل عبر مفاوضات تجارية ودبلوماسية تدفع هذه الدول لتحمل نصيب أكبر من تكلفة الابتكار العالمي، دون خنق قاعدة البحث والتطوير الأمريكية.
على الصعيد الداخلي، يحذر «تيهارت» من أن تطبيق تسعير من نوع MFN قد يعرض عشرات الآلاف من الوظائف عالية المهارة للخطر في قطاع الأدوية والتقنية الحيوية، كما قد يضرب استثمارات رؤوس الأموال الجريئة في الشركات الناشئة العاملة في هذا المجال. في رأيه، كل دواء جديد يطور في مختبر أمريكي ليس مجرد إنجاز علمي أو فرصة ربح، بل هو أيضا جزء من قوة الولايات المتحدة الاستراتيجية في مواجهة الأمراض والأوبئة والتهديدات البيولوجية، بالإضافة إلى مساهمته في النمو الاقتصادي والصادرات.
في النهاية، لا ينكر الكاتب أن مشكلة ارتفاع أسعار الأدوية في الولايات المتحدة حقيقية ومؤلمة، وأن الكثير من المرضى يعانون من الفواتير الباهظة. لكنه يرى أن ربط الأسعار بالدول الأخرى هو «حل خاطئ لمشكلة صحيحة». فهو يدعو بدلا من ذلك إلى إصلاحات تركز على تحسين كفاءة النظام الصحي، ومراجعة أدوار الوسطاء وسلاسل التوزيع، وزيادة الشفافية في الخصومات والتفاوض، وتعزيز المنافسة الحقيقية، بحيث يتم تخفيف العبء عن المريض دون إضعاف الاستثمار في البحث والتطوير.
المعنى الأعمق للمقال، هو أن الابتكار العلمي في القرن الحادي والعشرين أصبح شكلا من أشكال الدفاع الوطني. الدولة التي تقود العالم في الجينوم، واللقاحات، والعلاجات المتقدمة، ستكون في موقع أقوى لحماية شعبها وتعزيز نفوذها الاقتصادي والسياسي. لذلك يحذر الكاتب من أن أي سياسة تضعف قدرة أمريكا على الابتكار، حتى لو روج لها على أنها خطوة شعبية لخفض الأسعار، قد تفتح الباب للصين لقيادة هذا السباق الحيوي، في معركة ترى واشنطن أنها لا تملك رفاهية خسارتها.
nabilalhakamy@