الانتصار الحقيقي يبدأ بعد الحرب
الثلاثاء - 10 مارس 2026
Tue - 10 Mar 2026
عندما يتوقف إطلاق النار تبدأ مرحلة أكثر أهمية وعمقا، مرحلة استقراء الدروس وإعادة بناء الدول لذاتها.
فالحروب الكبرى تغير موازين القوى، وتعيد تشكيل التفكير السياسي والاقتصادي والأمني للأمم.
ولهذا فإن كثيرا من التحولات التاريخية الكبرى لم تولد في ساحات القتال، بل في السنوات التي تلتها.
والحرب التي يعيشها الشرق الأوسط اليوم تبدو مرشحة لأن تكون واحدة من تلك اللحظات الفاصلة التي تقسم الزمن السياسي في المنطقة إلى، ما قبلها وما بعدها.
فالانتصار الحقيقي بعد الحروب يقاس بقدرة المنتصر على تحويل حاله إلى مشروع استراتيجي طويل الأمد، بالتعامل مع النتائج بمصداقية خطوة في مسار طويل من بناء القوة وترسيخ النفوذ.
ومن هذا المنطلق، فأكثر الظن أن تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى تحويل نتائج هذه المواجهة إلى مزيد من تعزيز تفوقهما التكنولوجي والعسكري، وتحالفاتها الإقليمية والدولية، ضمن منظومات متكاملة تجمع بين التصنيع والعلم والتكنولوجيا والاقتصاد وشبكات التحالفات الدولية.
أما إيران، التي قد تكون خرجت من هذه الحرب مثقلة بالضغوط أو الخسائر، فستجد نفسها أمام لحظة اختبار تاريخية، فإما الانغلاق والدخول في دوامة اضطراب وانقسامات، أو استثمار اللحظة لإعادة تعريف الذات ومراجعة المسار.
وليس خافيا أن إيران تمتلك مقومات يمكن أن تجعلها قادرة على خوض هذا التحول، من قاعدة علمية وعقول متخصصة وقدرة صناعية وعمق حضاري طويل.
والسؤال الحقيقي لن يكون في حجم ما خسرته، بل في قدرتها على مراجعة أولوياتها العقدية والسياسية والاقتصادية، وإعادة بناء توازنها الاستراتيجي بطرق أكثر انسجاما مع محيطها الإقليمي والنظام الدولي.
اليابان خرجت من الحرب العالمية الثانية بأقسى الهزائم في التاريخ الحديث، لكنها استطاعت خلال عقود قليلة أن تعيد بناء نفسها عبر التعليم والانضباط المؤسسي وتشجيع الابتكار الصناعي والتكنولوجي، لتتحول إلى قوة اقتصادية عالمية كبرى، بقدرتها على التعلم من الأخطاء وتحويل المحنة إلى فرصة للنهوض.
أما دول الخليج، التي وجدت نفسها متأثرة بهذه الحرب بحكم الجغرافيا وتشابك المصالح في المنطقة، فهي أيضا ستقف أمام لحظة مراجعة استراتيجية مهمة.
فالاستقرار السياسي والاقتصادي الذي تمتعت به هذه الدول لعقود طويلة لا يمكن اعتباره أمرا مسلما به في بيئة إقليمية شديدة التقلب.
ولهذا تبرز الحاجة إلى رؤية استراتيجية أعمق لدول الخليج تقوم على تعزيز القدرات الدفاعية الوطنية، وتطوير الصناعات العسكرية المحلية، وبناء منظومات أمنية وجيوش حديثة قادرة على حماية المكتسبات التنموية.
والأمن الحقيقي يقوم أيضا على سياسات إقليمية متوازنة تخفف التوترات وتعزز التعاون وتبني علاقات قائمة على القوة الذاتية والمصالح المشتركة والاحترام المتبادل.
وكون الاستثمار الحقيقي يكمن في الإنسان، والتعليم، والتكنولوجيا، وبناء مؤسسات قوية قادرة على حماية الدولة وتطويرها في آن واحد.
ما بعد الحرب يجب أن يكون بداية مرحلة جديدة في التفكير السياسي والاستراتيجي لدول المنطقة، والنجاح ليس حكرا على من انتصر في المعركة، بل على من استطاع أن يتعلم من التجربة ويحولها إلى نقاط انطلاق نحو مستقبل أكثر توازنا واستقرارا.
والدولة التي تفكر في عقود قادمة هي وحدها القادرة على صنع تاريخها، بدلا من أن تصنعه لها الأحداث.