الحرب بين العقل والغضب
الثلاثاء - 10 مارس 2026
Tue - 10 Mar 2026
في الحروب، يتبادر إلى الأذهان سؤال مهم وهو هل تدار الحروب بالغضب أم بالعقل؟
وفي سياق الأحداث الراهنة بعد الضربة الأمريكية الإسرائيلية، نجد أنفسنا نتعجب من ردة فعل الجانب الإيراني! هل توسيع دائرة الصراع يعزز هيبة الدولة أم يسرع من عزلتها؟ ولماذا تختار دولة ما توسيع خصومها، في لحظة يفترض أن تركز فيها على خصم واحد؟ وهل ما نشهده من سلوك إيراني هو استراتيجية مدروسة أم مجرد ارتباك في إدارة أزمة خطيرة؟
في علم الحرب، كتبت قاعدة «لا تفتح أكثر من جبهة في الوقت نفسه إذا كنت تستطيع تجنب ذلك»، فالتركيز على الهدف الرئيس يعزز القوة ويوحد القرار، بينما توسيع دائرة الاشتباك يشبه إشعال حرائق في كل الاتجاهات عنوة، وربكا يكون ردة فعل شاملة لاتحاد دول تضررت الضربة القاتلة لهم.
ما قامت به إيران يبدو متناقضا مع هذه القاعدة؛ فإيران، التي تواجه خصما واضحا، اتسع نطاق ردها ليشمل دولا أخرى ليست طرفا بالحرب، وباعتداءات كانت أغلبها على مواقع حيوية وسكانية ليست عسكرية، وهو مخالفة صريحة لمبادئ الحروب، ومنها استهداف الأنشطة العامة والمرافق الحيوية والإنسانية؛ هذا السلوك العدواني لم يحيرنا فقط بل كان أشبه بالجنون، حيث آذت إيران الجيران غير المشاركين أكثر ممن شن الحرب عليها؛ فالخليج تلقى تهديدات بالصواريخ وطائرات الدرون «دون طيار» غزيرة كافية وواضحة لفهم توجه الحرس الثوري الإيراني الذي يدير المرحلة حاليا، وإن ظهر الرئيس الإيراني معتذرا لدول الخليج، وأيضا مسؤولون بالخارجية، وتبرير ذلك أن إيران لم تطلق صاروخا وذخيرة على دول الجوار!
وهنا نحن أمام تفسيرات مختلفة، ومنها أن إيران تدار حاليا بقوة عشوائية منفصلة عن الرئاسة المركزية، والتي يديرها ضباط أقل خبرة وتمرسا، وذلك بعد أن نجحت أمريكا وإسرائيل بتصفية جل الصف الأول وربما الثاني للحرس الثوري، الذي صنعه المرشد ليكون ولاؤه له وليس للدولة، وأصبح التوجه لديه للمستهدف من خطط التوسعية الإيراني، ومحاولة عدم فقد المكتسبات السابقة من السيطرة والتبعية لإيران أو بالأصح لولاية الفقيه، ومنها الحوثي والفيالق بالعراق وغيرها من الجماعات المسلحة وغير المسلحة التي تصف بصف إيران.
ومع وجود انقسامات في الصف الإيراني، «وإن كان موجودا بعضها سابقا»، ممثلا بالمعارضين من الأحواز وكردستان وغيرها، الذين كانت لهم محاولات ظهور وقوبلت بالردع والتنكيل سابقا، وأصبح الآن الوقت مناسبا لهم، خاصة مع دعوات الرئيس الأمريكي وحثهم على استلام إدارة دولتهم.
وأيضا هناك الدولة وهي في أضعف حالتها، وممثلة بالشكل النظامي والدبلوماسي من الرئيس وما يتبعه من وزراء وتسلسلات حكومية، ولا ننسى القسم الأخير والخطير ممثلا بالحرس الثوري ونظام ولاية الفقيه الذي يصارع للبقاء وإبقاء الصورة القوية عنه.
في النهاية، يبقى السؤال هل ما يحدث جزء من خطة إيرانية مدروسة لإعادة رسم قواعد الاشتباك في المنطقة؟ أم هو رد فعل عشوائي ناتج من الضغوط والخسائر؟ الإجابة قد تتضح مع مرور الوقت، عندما تهدأ العاصفة ويبدأ المؤرخون في تحليل الأحداث بموضوعية.