عبدالله قاسم العنزي

تجريم الشائعات في أوقات الأزمات: الحماية القانونية للأمن العام

الاثنين - 09 مارس 2026

Mon - 09 Mar 2026



في أوقات الأزمات السياسية أو الأمنية تصبح الكلمة أكثر حساسية وتأثيرا من أي وقت آخر. فالمجتمعات في مثل هذه الظروف تكون متعطشة للمعلومة، ويصبح تداول الأخبار جزءا من الاهتمام العام، غير أن التطور التقني ووسائل التواصل الاجتماعي جعلت سرعة انتشار المعلومة تفوق بكثير سرعة التحقق منها. وهنا تظهر الشائعة بوصفها ظاهرة خطيرة لا تقف عند حدود الكلام العابر، بل قد تتحول إلى أداة لإثارة القلق والاضطراب داخل المجتمع. ومن هنا لم يعد التعامل مع الشائعات مسألة أخلاقية أو إعلامية فحسب، بل أصبح لها بعد قانوني واضح يضع لها حدودا ويحدد مسؤولية من يقف وراء نشرها أو تداولها.

الشائعة في حقيقتها خبر غير موثق يتداول بين الناس دون الاعتماد على مصدر رسمي أو موثوق، وغالبا ما تنتشر في البيئات التي يغيب فيها التحقق ويغلب فيها الانفعال. وتزداد خطورة الشائعة عندما تتعلق بقضايا أمنية أو سياسية أو اقتصادية، لأنها قادرة على التأثير في الاستقرار الاجتماعي وإثارة القلق في نفوس الناس. فالشائعة قد تثير الذعر، أو تشكك في مؤسسات الدولة، أو تبث الإحباط بين أفراد المجتمع، وقد تستغلها جهات معادية لإضعاف الثقة العامة ونشر الفوضى المعلوماتية. ولهذا فإن أخطر ما في الشائعة ليس مضمونها فحسب، بل سرعتها وقدرتها على الانتشار قبل أن تتاح فرصة تصحيحها أو تفنيدها.

وعندما يصل السلوك الفردي إلى درجة التأثير في أمن المجتمع واستقراره، فإن القانون يتدخل لوضع حد لهذا السلوك. فحرية التعبير قيمة مهمة في المجتمعات الحديثة، لكنها ليست حرية مطلقة، بل تقف عند الحد الذي يبدأ فيه الإضرار بالمصلحة العامة أو المساس بالنظام العام. ومن هذا المنطلق جاءت الأنظمة القانونية لتضع إطارا واضحا للتعامل مع الشائعات، خاصة تلك التي تنتشر عبر الفضاء الرقمي، حيث يمكن لكلمة واحدة أو رسالة قصيرة أن تصل إلى آلاف الأشخاص خلال دقائق.

وفي المملكة العربية السعودية عالج المشرع هذا الموضوع بوضوح ضمن أحكام نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية، حيث نصت المادة السادسة منه على تجريم إنتاج أو إعداد أو إرسال أو تخزين أي محتوى من شأنه المساس بالنظام العام أو القيم الدينية أو الآداب العامة عبر الشبكة المعلوماتية أو أجهزة الحاسب الآلي. وتصل العقوبة المقررة لهذه الجريمة إلى السجن مدة لا تزيد على خمس سنوات، وغرامة تصل إلى ثلاثة ملايين ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين. ويكشف هذا النص عن فلسفة تشريعية واضحة تقوم على حماية المجتمع من المحتوى الرقمي الذي يثير القلاقل أو يهدد استقراره.

ولا تقتصر المسؤولية القانونية في مثل هذه الحالات على من يختلق الشائعة فحسب، بل قد تمتد إلى كل من يساهم في نشرها أو تداولها. فإعادة إرسال الشائعة أو إعادة نشرها دون تحقق قد تتحول إلى مساهمة في نشر محتوى مجرم، خصوصا إذا كان من شأنه المساس بالنظام العام أو إثارة القلق بين الناس. ولهذا فإن التعامل مع المعلومات في الفضاء الرقمي يجب أن يكون قائما على قدر عال من المسؤولية والوعي، لأن ضغطة زر واحدة قد تجعل صاحبها طرفا في جريمة معلوماتية دون أن يدرك ذلك.

ومع أن القانون يمثل أداة ردع مهمة، إلا أن الوعي المجتمعي يظل خط الدفاع الأول في مواجهة الشائعات. فالمجتمع الواعي هو الذي يتحقق من مصادر المعلومات قبل تداولها، ويتعامل مع الأخبار في أوقات الأزمات بحذر ومسؤولية. وإن حماية الاستقرار الاجتماعي لا تتحقق بالعقوبات وحدها، بل بثقافة عامة تقوم على التثبت من الأخبار وعدم الانسياق وراء كل ما يتداول في الفضاء الرقمي.

ولهذا فإن الرسالة الأهم التي تؤكدها النصوص القانونية هي أن الكلمة لم تعد مجرد رأي عابر في عالم الإنترنت، بل أصبحت مسؤولية قانونية وأخلاقية في آن واحد. فالشائعة قد تبدأ برسالة قصيرة أو تغريدة عابرة، لكنها قد تتحول إلى سبب في إرباك المجتمع أو إثارة الفوضى المعلوماتية. ومن هنا جاء التشريع ليؤكد أن حرية التعبير لا تعني حرية الإضرار بالمجتمع، وأن الفضاء الرقمي، رغم اتساعه، يظل خاضعا لسلطة القانون حماية للأمن والاستقرار.