مطير سعيد الزهراني

الصورة الذهنية وإدارة السمعة: الاختبار الحقيقي للاتصال المؤسسي

الاثنين - 09 مارس 2026

Mon - 09 Mar 2026



في إحدى المرات التي كتبت فيها عن جامعة أم القرى، وصلني تواصل كريم من مكتب رئيس الجامعة يتضمن دعوة للمشاركة في إحدى فعالياتها العلمية، وقد توقفت عند هذه المبادرة؛ لأنها لم تكن مجرد إجراء رسمي، بل تعبير عن تقدير المؤسسة لمن يتابع أعمالها ويكتب عنها، وهذا النوع من التواصل يترك أثرا إنسانيا واضحا، ويكشف في الوقت نفسه عن وعي مؤسسي بدور العلاقة مع المجتمع المعرفي والإعلامي.

هذه التجربة الصغيرة تفتح بابا للتأمل في مسألة أوسع تتعلق بالصورة التي تتشكل حول المؤسسات في وعي المجتمع، فكثير من الجهات تبذل جهودا معتبرة في مجالاتها، غير أن أثر تلك الجهود يظل محدودا إذا لم تعرض بصورة واضحة ومفهومة، وهنا تتضح أهمية الانطباع العام الذي يتشكل عبر التفاعل المستمر بين المؤسسة وبيئتها.

وفي الأدبيات الإدارية الحديثة تعد إدارة السمعة أحد الأصول المعنوية للمؤسسات، فالسمعة لا تتشكل في البيانات الرسمية، وإنما في إدراك المجتمع لطبيعة دور المؤسسة وأثرها، ويتشكل هذا الإدراك عبر تراكم التجارب والتفاعلات التي يعيشها الجمهور مع المؤسسة أو يسمع عنها.

ومن هنا يتضح أن الاتصال المؤسسي يتجاوز حدود العمل الإعلامي التقليدي، ويتمثل دوره الحقيقي في إدارة العلاقة بين المؤسسة ومحيطها الاجتماعي والثقافي، وفي بناء جسور تواصل مع الفاعلين في المجال العام، فالمؤسسات التي تدرك هذه الحقيقة تنظر إلى التواصل بوصفه أداة لفهم المجتمع بقدر ما هو وسيلة لتعريف الناس بأعمالها.

وفي المقابل، يمكن ملاحظة أن بعض المؤسسات تختزل الاتصال المؤسسي في نشر الأخبار أو إدارة الحسابات الرقمية أو تنظيم التغطيات الإعلامية، وهذه الممارسات تمثل جانبا من العمل الاتصالي، غير أنها لا تكفي لصناعة حضور مؤسسي مؤثر، فالحضور الذهني للمؤسسة يتعزز عندما تشعر البيئة المحيطة بأنها قريبة منها، قادرة على الحوار، ومهتمة بما يكتب ويقال عنها.

ولهذا فإن التجارب التي تتعامل مع الاتصال المؤسسي بوصفه مجالا لبناء العلاقات تكتسب قيمة خاصة، فعندما تتواصل الجهة مع الكتاب والإعلاميين والمهتمين بالشأن العام بروح تقدير واحترام، فإنها تعزز شبكة من العلاقات تسهم في تشكيل صورة متوازنة عنها، وهذا النوع من التفاعل يعكس فهما عميقا لطبيعة المجال العام الذي تتكون فيه السمعة المؤسسية.

إن الصورة الذهنية لأي مؤسسة ليست نتاج خطاب إعلامي عابر، وإنما حصيلة حضور متواصل في وعي المجتمع، وحين يدار الاتصال المؤسسي بوعي استراتيجي يتحول إلى أداة فاعلة لتعزيز الثقة، وتقديم المؤسسة في صورتها الحقيقية، وإيصال جهودها إلى المجال العام بطريقة طبيعية ومتوازنة.

وفي النهاية تبقى المؤسسات مرئية بقدر ما تنجح في التواصل مع المجتمع الذي تعمل داخله، فالإنجازات مهما بلغت قيمتها تحتاج إلى جسور تصلها بالناس، وهذه الجسور هي المهمة الجوهرية للاتصال المؤسسي حين يدار بوصفه مجالا لبناء السمعة وترسيخ الحضور في وعي المجتمع.