التخبط في القرارات الإدارية الجامعية بين ضعف القيادة وغياب الحوكمة
الأحد - 08 مارس 2026
Sun - 08 Mar 2026
تشكل الجامعة فضاء مؤسسيا يقوم على التوازن الدقيق بين الاستقلال الأكاديمي، واحترام اللوائح، وحماية الحقوق، وضمان جودة العملية التعليمية، ويتربع على قمة هذا الفضاء رئيس الجامعة. لذلك فإن أي تخبط في القرارات الإدارية - سواء تلك التي تمس حقوق أعضاء هيئة التدريس أو التي تتعلق بالتقويم الأكاديمي - لا يعد مجرد خلل عابر، بل مؤشر يستدعي التوقف وإعادة النظر. غير أن تفسير هذا التخبط برده إلى ضعف شخصية الرئيس أو اهتزاز رؤيته قد يكون تبسيطا مخلا لقضية أكثر تركيبا، وإن كان الرئيس لا يعفى منه بشكل أو بآخر، وهو من يتحمله بالدرجة الأولى.
لا شك أن غياب الرؤية الواضحة لدى القيادة الجامعية ينعكس مباشرة على استقرار القرارات. فالرؤية الاستراتيجية ليست مجرد شعار إداري، بل هي الإطار الذي يوجه السياسات ويمنحها الاتساق والاستمرارية. وعندما تفتقر الإدارة إلى تصور واضح لمستقبل المؤسسة التعليمية، تبرز مظاهر الارتباك الإداري، كصدور قرارات متسرعة دون دراسة كافية، أو تضارب التعليمات بين المستويات الإدارية المختلفة، أو اهتزاز الثقة بين الإدارة والمجتمع الأكاديمي. وعندئذ يصبح التخبط نتيجة طبيعية لغياب بوصلة القرار السليم.
من المهم التمييز بين التراجع الناجم عن ضعف أو تردد الإدارة، وبين التراجع القائم على المراجعة الموضوعية للقرارات. فالإدارة التي تتراجع عن قرار بعد ظهور معلومات جديدة، أو استجابة لاعتراضات علمية مبررة، أو لتصحيح خطأ قانوني، لا يمكن وصفها بالضعف، بل قد تحسب لها شجاعة الاعتراف بالخطأ، لكن الإشكالية الحقيقية تظهر عندما يتكرر إصدار قرارات غير مدروسة ثم التراجع عنها بشكل متتابع، دون تقديم تفسيرات واضحة وشفافة. وهنا يتحول التراجع من فضيلة إدارية إلى علامة على غياب منهجية صنع القرار، وهو ما ينعكس سلبا على هيبة المؤسسة التعليمية واستقرارها.
من المعلوم أن الخطأ على المستوى الفردي يمكن احتواؤه بسهولة نسبيا، أما الخطأ المؤسسي فآثاره أوسع وأعمق. فالقرار الإداري الجامعي قد يمس المسار الوظيفي لأعضاء هيئة التدريس، أو ينال من حقوقهم المالية أو الأكاديمية، أو قد يطال انتظام التقويم الدراسي كما هو معد ومرسوم له سلفا، وبالتالي تكون سمعة المؤسسة التعليمية ومصداقيتها على المحك وتحت مجهر النقاد والمحللين.
تكرار الأخطاء المؤسسية يدل على خلل في بنية اتخاذ القرار نفسها. ومع ذلك، فإن الإدارة الجامعية الرشيدة لا تقاس بعدم الوقوع في الخطأ مطلقا - وهو أمر غير واقعي - بل تقاس بوجود آليات واضحة تمنع تكراره، وبالقدرة على التصحيح السريع وتحمل المسؤولية بشفافية، فالإدارة التي تصر على الخطأ حفاظا على «صورتها» أخطر بكثير من الإدارة التي تعترف به وتصححه بوضوح.
ويمكن النظر لأزمة القرارات الجامعية المرتبكة على أنها أزمة تتمحور في غياب التخطيط الاستراتيجي طويل المدى، وضعف فرق العمل الاستشارية والقانونية، وتضارب اللوائح أو غموضها، وغياب ثقافة الحوكمة المؤسسية، وربما وجود تدخلات خارجية تحد من استقلال القرار الجامعي. وفي كل هذه الحالات، يصبح رئيس الجامعة جزءا من منظومة إدارية غير مكتملة، ما يجعل التخبط نتيجة تراكمات هيكلية، لم ينجح الرئيس في احتوائها أو تجاوزها بشكل ما يضمن استمرار العملية الإدارية وقيادتها إلى بر الأمان.
إن التخبط في القرارات الإدارية الجامعية لا يمكن إنكاره حين يتكرر، ولا يمكن تبريره إن هو مس الحقوق أو هز استقرار العملية الأكاديمية. المشكلة الحقيقية لا تكمن فقط في الوقوع في الخطأ، بل في غياب منهجية واضحة لصنع القرار، وضعف ثقافة الحوكمة، وغياب الرؤية الاستراتيجية المستقرة. فالإدارة الجامعية الجديرة بقيادة المشهد الأكاديمي ليست تلك التي لا تخطئ أبدا، لا، بل تلك التي تحسن التخطيط، وتتحمل مسؤوليتها، وتتعلم من أخطائها دون أن تكررها.