الخلايا النائمة تصحو في الأزمات
الخميس - 05 مارس 2026
Thu - 05 Mar 2026
عندما يسود الاستقرار، تبدو المجتمعات متماسكة، والخلافات محدودة في إطارها الطبيعي. لكن ما إن تشتد الأزمات، حتى تظهر أصوات النعيق الكامنة في الظل، لتعيد إنتاج خطاب قديم قائم على الفرز والتشكيك والتشفي. إنها ما يمكن وصفه مجازا بالخلايا النائمة؛ ليست تنظيما بالضرورة، بل عقليات وسلوكيات تنتظر اللحظة المناسبة لتطفو على السطح.
ومع ما تمر به دول الخليج العربي هذه الأيام من أحداث وعدم استقرار، برزت على منصات التواصل الاجتماعي مقاطع تظهر الفرح أو السخرية أو حتى الشماتة بما يحدث. هذه المقاطع، التي تنتشر بسرعة لافتة، لا تعكس بالضرورة الرأي العام في الدول التي تصدر منها، لكنها تكشف عن تيار عاطفي مشحون يجد في الأزمات مادة للتنفيس أو لتصفية الحسابات.
إن هذا السلوك لا يرتبط بجغرافيا بعينها. ففي كل أزمة تمر بها دولة عربية، تظهر في دول أخرى أصوات تبارك التعثر أو تبالغ في تصويره. حدث ذلك عند أزمات اقتصادية، وأحداث سياسية، وحتى في الكوارث الطبيعية. في المقابل، غالبا ما تتجاهل هذه الأصوات حجم الترابط الاجتماعي والاقتصادي بين شعوب المنطقة، وتغفل حقيقة أن استقرار أي دولة خليجية أو عربية ينعكس إيجابا على محيطها العربي.
الخبراء في علم الاجتماع السياسي يرون أن الأزمات تعمل ككاشف لما هو مخزون في الوعي الجمعي. فعندما تضيق المساحات الآمنة للتعبير، يبقى الاحتقان كامنا. لكن في لحظات الاضطراب، يشعر البعض أن السقف ارتفع، فيندفعون بخطاب حاد، أحيانا بدافع الغضب، وأحيانا بدافع المنافسة أو الشعور بالتهميش. وسائل التواصل الاجتماعي، بما تمنحه من سرعة وانتشار ومنصات مفتوحة، تضاعف من أثر هذا الخطاب، وتحوله من رأي فردي إلى موجة تبدو وكأنها تيار عارم.
فمن الخطأ ربط تصرفات هؤلاء الأفراد أو هذه المجموعات الصغيرة بدولة كاملة أو شعب بأسره، مما يكرس الانقسام ويغذي خطاب الكراهية المتبادل. كما أن بعض هذه المقاطع قد يكون مجتزأ أو خارج سياقه، أو حتى مفبركا لخدمة أجندات سياسية تسعى إلى تأجيج الخلافات بين الشعوب العربية.
في دولنا العربية، حيث تتشابك المصالح وتترابط الأسر والاقتصادات، تبدو الحاجة ملحة إلى خطاب عقلاني يميز بين النقد المشروع وبين الشماتة. فالأزمات بطبيعتها عابرة، لكن آثار الكلمة قد تبقى طويلا، خاصة إذا تحولت إلى مادة تعبئة وتحريض.
إن مسؤولية مواجهة هذا النوع من «الصحوة السلبية» لا تقع على الحكومات وحدها، بل تشمل النخب الثقافية والإعلامية، ومنصات التواصل نفسها، والأفراد أيضا. فاختيار التريث بدل إعادة النشر، والتحقق بدل الانجراف، وإعلاء صوت التضامن بدل التشفي، كلها ممارسات بسيطة لكنها مؤثرة.
في النهاية، تكشف الأزمات معدن المجتمعات. فإما أن تكون لحظة انكفاء وتشف، أو فرصة لتعزيز الوعي المشترك بأن مصير المنطقة مترابط، وأن استقرارها ليس مكسبا لطرف دون آخر، بل ركيزة لأمن الجميع. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال مفتوحا: هل نسمح للخلايا السرطانية النائمة بأن تصحو لتقود المشهد، أم نختار أن نصحو نحن على معنى التضامن الحقيقي؟
dakhelalmohmadi@