فهيد العديم

الإدارة بالصدفة: لماذا لا تكتب القرود بطريقة شكسبير؟

الخميس - 05 مارس 2026

Thu - 05 Mar 2026


في عالم الإدارة الحديثة، كثيرا ما تدار المؤسسات وكأنها تجربة غير معلنة من نظرية القرود اللامتناهية، الفكرة الأصلية في هذه النظرية تقول إن عددا لا نهائيا من القرود، إذا ضغطوا عشوائيا على آلة كاتبة لزمن لا نهائي، قد ينجح أحدهم في كتابة عمل أدبي عظيم، كمسرحية لـWilliam Shakespeare.

نظريا الفكرة صحيحة، لكنها عمليا عبثية، والمشكلة أن بعض المديرين يتصرفون وكأن هذا العبث يصلح كنموذج إداري.

في بيئات العمل، نرى مديرا يكدس المهام، ويزيد عدد الاجتماعات، ويطلب من الجميع «المحاولة فقط»، مؤمنا في قرارة نفسه أن الكثرة ستنتج الجودة، وأن الضغط المستمر سيخرج الإبداع من رحم الفوضى، هنا تحديدا تتحول نظرية القرود من تمرين ذهني رياضي إلى ممارسة إدارية خطرة، فالعمل لا يدار بالصدفة، والموظفون ليسوا قرودا تضرب لوحة مفاتيح بانتظار معجزة.

عشوائية القرار الإداري هي أول أعراض هذا التفكير، عندما تتخذ القرارات بلا معايير واضحة، وبلا تحليل بيانات، وبلا رؤية طويلة المدى، يصبح النجاح مجرد ضربة حظ، والفشل نتيجة متوقعة، الأسوأ من ذلك أن المدير، بدل أن يعترف بفوضوية النظام، يبحث عن كبش فداء، وغالبا ما يكون الموظف هو الهدف الأسهل: «لم يجتهد كفاية»، «لم يفهم المطلوب»، «لم يكن مرنا»، وهكذا يحمل الفرد وزر خلل بنيوي.

إهمال الكفاءات هو الوجه الآخر للمشكلة، في نموذج «القرود»، لا فرق بين قرد وآخر؛ الجميع يضغط عشوائيا، بعض الإدارات تتبنى المنطق نفسه: لا استثمار حقيقي في أصحاب الخبرة، ولا تمييز بين من يضيف قيمة ومن يملأ فراغا، المهم أن يكون العدد كافيا، وأن تستمر الحركة، لكن المؤسسات لا تتقدم بالحركة، بل بالاتجاه الصحيح.

أما الوهم الأكبر، فهو الاعتقاد بأن الكم سينتج الجودة تلقائيا، تقارير أكثر، ساعات أطول، فرق أكبر... ومع ذلك، النتائج باهتة، لأن الجودة ليست حاصل جمع الجهود، بل نتيجة تنظيمها، العمل الإداري الفعال يقوم على تقليل العشوائية، لا تعظيمها، وعلى خلق بيئة تسمح للموهبة بأن تعمل، لا أن تستنزف.

الصدمة الحقيقية التي يجب أن يتوقف عندها كل قائد هي التالية:
إذا كنت تنتظر من موظفيك أن ينتجوا عملا متقنا داخل نظام فوضوي، فأنت لا تختلف كثيرا عمن ينتظر من القرود أن تكتب قصة لشكسبير، الفرق الوحيد أن القرود لا تلام عندما تفشل!

الإدارة ليست لعبة احتمالات، بل علم ومسؤولية، وكل مدير لا يراجع أسلوبه، ويصر على الخلط بين العشوائية والإبداع، سيحصل في النهاية على ما يستحقه أي نظام فوضوي: الكثير من الضجيج، وقليل من المعنى!