عبدالله قاسم العنزي

حق الرد بين النص والانضباط: السعودية في مواجهة الاعتداء الإيراني

الخميس - 05 مارس 2026

Thu - 05 Mar 2026


في النظام الدولي المعاصر لا تدار الحروب بالشعارات بل بالنصوص. فالقاعدة التي قام عليها ميثاق الأمم المتحدة واضحة في مادته (2/4)، إذ تنص على أن «يمتنع أعضاء الهيئة جميعا في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة». هذه ليست صياغة أدبية، بل قاعدة قانونية آمرة تخاطب جميع الدول دون استثناء، وتحظر استخدام القوة كأداة لتغيير المعادلات السياسية.

غير أن الميثاق ذاته لم يغلق الباب أمام الدفاع، بل قرر في المادة (51) أن للدول «الحق الطبيعي، فرادى أو جماعات، في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء الأمم المتحدة». ومن هنا تنشأ المعادلة الدقيقة: الرد مشروع، لكنه ليس مطلقا؛ إذ يشترط أن يسبقه هجوم مسلح فعلي، وأن يظل الرد مقيدا بحدود الضرورة والتناسب.

وعلى هذا الأساس، فإن أي حديث عن «حق الرد» - سواء من إيران أو من غيرها - لا يستقيم قانونا ما لم يثبت وقوع اعتداء مسلح عليها أولا. فإذا بادرت دولة باستخدام القوة دون أن تكون في حالة دفاع مشروع مستوف لشروطه، فإن فعلها لا يكيف دفاعا، بل يعد خرقا مباشرا للمادة (2/4). وعندئذ يتحول الاعتداء على أراضي المملكة العربية السعودية أو دول الخليج إلى استخدام محظور للقوة، أي إلى فعل غير مشروع دوليا يرتب مسؤولية الدولة القائمة به.

وبالتالي، فإن تجريم الاعتداء لا ينبع من موقف سياسي، بل من قاعدة قانونية صريحة. فالنظام الدولي لا يجيز توسيع مفهوم الدفاع ليشمل الضربات الاستباقية أو الحسابات الجيوسياسية. الدفاع استثناء، والاستثناء يفسر تفسيرا ضيقا، وإلا انهارت القاعدة الأصلية التي تحظر استخدام القوة.

في المقابل، إذا وقع هجوم مسلح على المملكة، فإن حقها في الدفاع لا يحتاج إلى تبرير إضافي؛ فالنص يكفي. غير أن الفرق الجوهري يكمن في كيفية ممارسة هذا الحق. فالمملكة، بحكم موقعها المركزي في معادلة الاستقرار الخليجي، لا تتعامل مع القوة بوصفها أداة اندفاع، بل بوصفها أداة حماية.

فهي تمتلك قدرات دفاعية متقدمة، وتحالفات استراتيجية واسعة، ومكانة دولية تمنحها ثقلا في ميزان الأمن الإقليمي. ومع ذلك، فإن امتلاك القدرة لا يعني التسرع في استخدامها، بل يمنح الدولة مساحة أوسع لضبط القرار.

ومن ثم، فإن السياسة السعودية التاريخية لم تعرف بالمبادرة إلى الحرب، بل بإدارة التوازن. فهي دولة تدرك أن الحرب - وإن كانت مشروعة دفاعا - تظل خيارا أخيرا. إلا أن هذا النهج لا يفهم ضعفا، بل هو تعبير عن ثقة الدولة بقدرتها على الردع دون الحاجة إلى المغامرة.

ختاما: فإن محاولة إيران تبرير اعتدائها على السعودية ودول الخليج تحت شعار «الدفاع عن النفس» لا تستقيم سياسيا؛ فالدفاع لا يكون بفتح جبهات جديدة ولا باستهداف دول لم تباشرها بهجوم مباشر. وعليه، فإننا نجرم هذا السلوك بوصفه عدوانا مقصودا يلبس ثوب الدفاع زورا، ويهدف إلى نقل أزماتها إلى الإقليم وفرض واقع بالقوة على حساب أمن الخليج واستقراره.

expert_55@