عمر عبدالرحمن الشدي

الحكمة فوق سفح البركان

الثلاثاء - 03 مارس 2026

Tue - 03 Mar 2026



لا أعلم إذا ثلاثة عقود من عمري كانت كافية لمراقبة التحولات العاصفة في هذا الشرق الأوسط، تعلمت فيها درسا جوهريا؛ وهو أن الدول عظيمة بمدى حكمتها وتأنيها في اتخاذ قراراتها، لا بمدى سرعة ضغط الزناد، تلك القدرة على كبح جماح الغضب وتغليب العقل، فالسياسة ليست حلبة لتفريغ الانفعالات أو استعراض القوة العضلية، بل هي أشبه برقعة «شطرنج» معقد، يحسب فيها كل شيء قبل الرد، وحيث يغدو الصمت المدروس أحيانا أشد وقعا من صوت المدافع.

في الشرق الأوسط وخاصة الخليج العربي، عاش التاريخ فوق حقول الألغام، هذه المواقف كانت وما زالت تتطلب حكمة وذكاء قادة يدركون أن الرصاصة التي تخرج لا تعود، وأن «قرار الحرب» سهل في بدايته، لكنه شبه مستحيل في نهاياته؛ إن كل متر في هذه الجغرافيا المتشابكة لا يفتح بابا للمواجهة فحسب، بل قد يشعل نارا لا تبقي ولا تذر.

ولعل سياسة قيادتنا الحكيمة في المملكة العربية السعودية منذ توحيدها على يد المغفور له بإذن الله الملك عبد العزيز بن عبدالرحمن آل سعود، مرورا بحكم أبنائه غفر الله لهم ووصولا إلى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ووقوفا عند براعة الإدارة وبعد الرؤية لولي عهده صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان آل سعود، قد مرت السعودية بعدد من المواقف العظيمة والتي كانت بعد الله محكا حقيقيا لفطنة ودهاء القيادة حفظها الله، بحسن إدارة الموقف والتأني في اتخاذ الرأي والرد المناسب.

ولو عدنا وتأملنا في السلوك الإيراني منذ عام 1979، نجد أننا أمام نموذج لاستراتيجية أشبه ما يقال عنها «حافة الهاوية»، فطهران لم تكتف بحدودها الطبيعية، بل صنعت خيوطا معقدة من النفوذ، سهلت عليها التسلل إلى العواصم العربية، بالدعم السياسي المبطن، أو عبر وكلاء محليين، لتصنع وكلاء لها يشعلون حدود الفوضى متى ما رغبوا، وشوكة في حلق الاستقرار، وأداة عبث متى ما أريد منها ذلك.

عندما تذكرت أيام «حرب الناقلات» في الثمانينيات؛ وإن كنت حينها صغيرا ولكن مع البحث والقراءة في السياسة بحكم عملي في الصحافة، وصف البعض وقتها الحال بأن العالم سيشتعل، لكن ما فُهم بعدها هو محاولة جس للنبض لدى الإرادة الدولية! واليوم يتكرر المشهد ولكن بصور شتى؛ من استهداف للمنشآت، وتشويش على ممرات الملاحة البحرية. والهدف من ذلك معرفة أين تقع «نقطة الانكسار» لدى الطرف الآخر.

كمعاصر عاش أزمات كبرى، منها الحرب العراقية الإيرانية، مرورا بغزو العراق للكويت وما تلاها، لفت نظري «النضج السياسي» الذي أظهرته دول المنطقة، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية. حيث أدركت المملكة مبكرا أن الرد الانفعالي هو أشبه بالهدية التي ينتظرها المستفز لجر المنطقة إلى فوضى شاملة تغرق فيها خطط التنمية والنهوض.

لذا هنا برزت فلسفة إدارة الأزمة بالصبر الاستراتيجي؛ وهي فلسفة تقوم على جمع الأوراق، وبناء التحالفات الدولية، واختيار توقيت الرد وشكله بما يخدم المصلحة الكبرى، لا بما يرضي غرور اللحظة.

وبرأيي شكلت حركة إيران أو ما نسميه «المناطق الرمادية»؛ وهي مساحات لا تبلغ تماس الحرب الصريحة، لكنها تكفي لزعزعة الاستقرار. لكن مواجهة هذا الأسلوب تتطلب أعصابا حديدية، وحكمة تفوق شجاعة الميدان.

ختاما، ومن خلال تجربتي المتواضعة في قراءة الأحداث، أرى أن المعارك لا تكتب التاريخ وحدها، بل الدول التي تستطيع بذكاء وفطنة تجنبها، حيث ثمن الانتصار فيها يفوق قيمة المكسب. فالصبر ليس انتظارا، بل هو فعل سياسي بامتياز.