فهد عبدالله العنزي

الزلفي لا تنتظر القطار!

الثلاثاء - 03 مارس 2026

Tue - 03 Mar 2026

بعد غياب عن الوطن، تعود المدن مختلفة... أو لعلنا نحن من نعود مختلفين.. فالسنوات التي نقضيها خارج حدود المكان لا تغير الجغرافيا بقدر ما تغير طريقة النظر إليها. ومن هذا الشعور بدأت فكرة هذه السلسلة؛ أن أزور ربوع وطننا بعين العائد، لا بعين العابر، وأن أكتب عن مدن ربما نمر بها سريعا، لكنها تستحق أن نتوقف عندها طويلا. وكانت البداية من محافظة الزلفي.

كشفت لي الزيارة حجم التحول الهادئ الذي تعيشه هذه المحافظة، دون أن تتخلى عن روحها أو تنفصل عن تاريخها. فقد جئت لزيارة صديق قديم وأحد رجالاتها الفضلاء، الأستاذ سعود بن عبد الله النصار، مدير مكتب وزارة الرياضة بالزلفي سابقا، وعدت بانطباع يتجاوز الزيارة الشخصية إلى تأمل أوسع في المكان والهوية.

الزلفي اليوم مختلفة عما عرفناها قبل سنوات؛ عمران أكثر تنظيما، وحركة أكثر حيوية، وخدمات تتنامى بثبات. ومع ذلك، لا تشعر أن المدينة فقدت ملامحها، بل على العكس، ما زالت تحتفظ بذلك الهدوء والطمأنينة اللذين يميزان مدن نجد الأصيلة، حيث الإنسان يسبق المكان في تعريف الهوية؛ أهل الزلفي ما زالوا أهل كرم، واعتزاز بالمكان، وحب صادق للأرض التي نشأوا عليها.

ما يمنح الزلفي قيمتها الحقيقية ليس حاضرها فقط، بل عمقها التاريخي. فهي إحدى المحافظات القديمة في قلب نجد، وارتبط اسمها بالاستقرار البشري المبكر، وبمواقعها القريبة من طرق القوافل، وبعلاقتها الوثيقة بالبيئة الصحراوية والنفود، التي شكلت نمط الحياة والاقتصاد والثقافة عبر قرون طويلة. هذا التاريخ جعل الزلفي جزءا من النسيج التاريخي للمملكة، لا مجرد نقطة على الخريطة.

وخلال جولتي، توقفت عند بيوت طينية قديمة بمنطقة سمنان وواديها، أشار لي صديقي إلى أن بعضها يعود إلى أكثر من مئتي عام. بيوت متواضعة في شكلها، عظيمة في معناها، تحمل ذاكرة أجيال متعاقبة. هذه البيوت لا تحتاج إلى الإزالة، بل إلى ترميم واع يحفظ قيمتها المعمارية ويعيد دمجها في الحياة الثقافية والسياحية كما أن هناك مواقع أخرى تستحق الاهتمام، مثل قرية الثويرات في قلب النفود، وقرية العقلة التراثية وغيرها. وهنا تبرز أهمية دور هيئة التراث في تبني مشاريع تحفظ المكان وتعيد توظيفه ثقافيا وسياحيا، بالشراكة مع المجتمع المحلي، الذي عرف بحبه لأرضه وحرصه عليها.

ومن النماذج الملهمة التي تجسد هذا المعنى، زيارتي إلى مزرعة (بيت البيئيين) لدى الأستاذ عبد الكريم بن أحمد الفراج، التي تحولت إلى متحف تراثي نابض بالحياة. مكان لا يعرض التاريخ كقطع جامدة، بل يقدمه كتجربة إنسانية حية، تجمع زوارا من مختلف مناطق المملكة ودول مجلس التعاون الخليجي. هذا النموذج يثبت أن الاستثمار في التراث ليس فكرة رومانسية، بل مشروع ثقافي وسياحي واقتصادي ناجح.

وفي هذا التوقيت تحديدا، تبرز فرصة استراتيجية كبرى مع مشروع قطار الشمال، وإعلان إنشاء محطة للشركة السعودية للخطوط الحديدية (سار) في الزلفي. هذه المحطة لن تكون مجرد وسيلة نقل، بل بوابة جديدة للزوار، والأهم هنا، ألا تنتظر الزلفي لحظة تشغيل القطار، بل تستغل الوقت من الآن في البناء، والترميم، والاستثمار، لتكون جاهزة عند وصول أول رحلة. هذا الاستعداد المبكر كفيل بخلق فرص وظيفية، وتنشيط الاقتصاد المحلي، وتمكين أبناء المحافظة من قيادة التحول بأنفسهم، فالمدن التي تستبق المستقبل، هي التي تحصد ثماره.

وهنا تتقاطع الزلفي بوضوح مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 الطموحة، التي أولت اهتماما كبيرا بحماية التراث الوطني، وتنويع الوجهات السياحية، وتعزيز جودة الحياة. فالزلفي مؤهلة لتكون محافظة سياحية تاريخية هادئة، تقوم على سياحة الثقافة، والبيئة، والذاكرة، لا على الازدحام والضجيج.

إن ترميم البيوت الطينية، ودعم المبادرات الفردية مثل المتاحف الخاصة، وتطوير مسارات سياحية مرتبطة بالنفود والتاريخ المحلي، يمكن أن تحول الزلفي إلى محطة جذب فريدة، تحافظ على أصالتها وتفتح في الوقت ذاته آفاقا جديدة لأبنائها.

حتى رحلتي في العودة إلى الرياض لم تخل من درس؛ فمخالفة مرورية على الطريق كانت تذكيرا بأن التنمية ليست عمرانا فقط، بل نظام وانضباط أيضا.

الزلفي لا تنتظر المستقبل.. بل تملك كل المقومات لتستقبله وهي جاهزة.