نوف علي الزامل

ترسيخ الهوية الثقافية في الدراما السعودية

الثلاثاء - 03 مارس 2026

Tue - 03 Mar 2026

نحن اليوم أمام ملامح وتجليات تشكل أكثر ما تشكل الهوية الدرامية الجديدة في المشهد السعودي، يتصدرها التصوير والرؤية البصرية اللذان أضحيا يتشكلان بوضوح على عدد من الأعمال. غير أن هذا التطور الشكلي رغم أهميته، لا يزال مرهونا بحدود الصورة فقط، دون أن يمتد بالعمق نفسه إلى بنية هوية الإنسان وموروثه الثقافي. لا شك غمرتني السعادة والغبطة بتطور الدراما السعودية والأعمال البدوية تحديدا التي تستدعي تراثنا وتعيد سرد قصص أجدادنا وتحاكي هويتهم. إلا أن بعض الأعمال التي تصور الهوية البدوية تقع في فخ الفولكلور البصري عوضا عن استدعاء الموروث بأجل وأعمق صورة حين تستعين بالخيمة، الصحراء، والملابس كعناصر سينوغرافية فقط، تفقد الهوية البدوية عمقها الإنساني القيم وتتحول إلى صورة نمطية. لا يمكن إنكار براعة تصميم الإنتاج في بناء عالم بصري متقن، لكنه لا يعكس بالضرورة عمق البناء الدرامي للشخصيات، ولا الغوص وسبر أغوار الأبعاد النفسية والاجتماعية التي شكلت الهوية البدوية، وتقلصت قراراته، مخاوفه، وقيمه، وتناقضاته. على سبيل المثال لا الحصر، الإنسان البدوي تاريخيا لم يكن هوية بسيطة كما تصوره بعض الأعمال، بل هوية عاشت بيئة وظروفا قاسية فرضت عليه نوعا من الاختيارات الأخلاقية التي تتماهى مع البيئة التي تفرض الموازنة بين البقاء والمروءة، بين الفرد والجماعة، واستطرادا بين الرحمة والحزم. هذه التناقضات والمفارقات هي المادة الخام للدراما الحقيقية وربما الخيط الرفيع الذي يميز العمل عن غيره، وهي ما يمنح الشخصية عمقها وقدرتها على البقاء في ذاكرة المشاهد. وهنا تكمن المفارقة، فالدراما مطالبة ربما أكثر من أي وقت مضى بأن تقترب من التعقيد النفسي الإنساني وأبعاده وكنهه لا أن تتجنبه. ومع ذلك، تختزل الهوية البدوية غالبا في ثنائيات سطحية؛ إما فارس شهم بلا تصدعات داخلية، أو رجل قاس سليط اللسان، ولا تخلو الصورة النمطية من تلك الشخصية "المتخفية" التي تخون الجماعة، لا بوصفها نتيجة صراع داخلي، بل كأداة درامية لتحريك الأحداث.

هل نحن مطالبون بفتح حوار مع صناع الأعمال الدرامية السعودية، وتسليط الضوء على الفرص الضائعة في البناء النفسي والقصصي، ونقد الثنائيات السطحية بين الخير والشر، حتى تتحول الأعمال من صور نمطية إلى سرد حقيقي يعكس التعقيد الإنساني والهوية الثقافية. الدراما البدوية هي هوية حية تجسد قصص أجدادنا وصراعاتهم، وقيمهم، وقراراتهم اليومية التي شكلت حياتهم وجماعاتهم. هذه الدراما لا تقدم مجرد صورة بصرية أو لهجة محلية، بل تلمس روح المشاهد لأنها تحاكي تجربة أصيلة عاشها أجدادنا، تجربة مليئة بالتحديات، الحنكة، والاختيارات الأخلاقية الصعبة، الدراما البدوية باتت مسؤولية صناعها ونقادها؛ مسؤولية في نقل تراث حي، وصياغة سرد يخلد القصص ويجعلها جزءا من حاضرنا، ويحافظ على عمق الهوية السعودية في الذاكرة والموروث.

نختم بالقول: رغم أهمية البعد البصري والكلفة الباهضة على بعض الأعمال الدرامية لجذب المشاهد، لكن يجب ألا يكون على حساب إغفال أو تجاهل القيمة الأهم وهي استدعاء الموروث الثقافي وإعادة تكريسه، وتلك ولا ريب الرسالة الأهم في صناعة الدراما.

الأكثر قراءة