حكاية تطور الصناعات الدوائية في السعودية
الخميس - 26 فبراير 2026
Thu - 26 Feb 2026
تاريخ الصناعات الدوائية في المملكة هو في الحقيقة قصة تحول متميزة، وذلك من الاعتماد على العطارين والوصفات الشعبية، إلى بناء صناعة دوائية حديثة تملك عشرات المصانع، وتتعامل مع كبريات الشركات العالمية، وتستعد اليوم بقوة لدخول عصر التقنية الحيوية واللقاحات المتقدمة. في بدايات القرن العشرين، كانت نقطة التحول الأولى مع افتتاح أول صيدلية حديثة في جدة عام 1922 على يد الدكتور محمد سعيد تمر. لم تكن مجرد محل لبيع الدواء، بل كانت نافذة جديدة للمجتمع السعودي على الأدوية المستوردة وأحدث ما وصل إليه الطب في أوروبا ومصر والهند. ومع مرور السنوات، تحولت تلك الصيدلية الصغيرة إلى نواة "مجموعة تمر"، التي أصبحت لاحقا واحدة من أهم الشركات في توزيع الأدوية والرعاية الصحية في المملكة والمنطقة، وبذلك بدأت أول خطوة منظمة نحو تجارة دوائية أكثر مهنية في بلد كان يعيش تحولات سياسية واقتصادية كبيرة.
وفي الثلاثينيات من القرن الماضي، ومع اكتشاف النفط وزيادة عوائده، بدأت دولتنا حفظها الله تعطي أهمية أكبر للقطاع الصحي؛ فتم إنشاء وزارة الصحة، وتوسعت شبكة المستشفيات والمراكز الصحية الحكومية في مختلف المناطق. لكن رغم ذلك، ظل الاعتماد على استيراد الدواء هو الأساس، من أوروبا وأمريكا ومصر والهند، عبر وكلاء وشركات محلية، وكانت الصيدليات الكبرى مثل مجموعة تمر تلعب دور الوسيط بين الشركات العالمية والمستشفيات والمرضى. التصنيع المحلي في تلك المرحلة كان بسيطا ومحدودا؛ يقتصر على تحضير تركيبات دوائية داخل صيدليات المستشفيات أو في معامل صغيرة، دون وجود صناعة متكاملة بمعايير عالمية. ومع الطفرة النفطية في السبعينيات من القرن الماضي، واتساع الرعاية الصحية المجانية، شعرت الدولة حفظها الله مبكرا بأن الاعتماد الكامل على الدواء المستورد يشكل تحديا لتحقيق الأمن الدوائي الوطني، خاصة وقت الأزمات أو الاضطرابات العالمية، فظهرت الحاجة إلى صناعة دواء وطنية حقيقية.
في هذا السياق، تأسست الشركة السعودية للصناعات الدوائية والأجهزة الطبية (سبيماكو) عام 1986 كشركة مساهمة وطنية، هدفها إقامة صناعة دوائية متقدمة وفق معايير علمية وصناعية حديثة. تم اختيار منطقة القصيم مقرا للمجمع الصناعي، وخرج أول منتج من خطوط الإنتاج في أوائل التسعينيات، لتصبح سبيماكو أول شركة دواء سعودية مدرجة في السوق المالية، وقاعدة لانطلاق شراكات مع شركات عالمية مثل سميث كلاين بيشام (التي أصبحت لاحقا جلاكسو سميث كلاين)، لتصنيع أدوية مرخصة محليا داخل المملكة. ومع التسعينيات، ظهرت شركات وطنية أخرى قوية؛ من أبرزها "تبوك للصناعات الدوائية" التي تأسست عام 1994 ونمت سريعا لتصبح من أكبر الشركات الدوائية الخاصة في المملكة وأحد أهم اللاعبين في سوق الأدوية الجنيسة في المنطقة، إلى جانب شركات أخرى مثل جمجوم فارما، والحكمة، وأجا فارما التابعة للشركة الكيميائية السعودية، وغيرها من الكيانات التي رسخت ثقافة التصنيع المرخص للشركات العالمية، ووسعت قائمة المنتجات المصنعة محليا لتشمل المضادات الحيوية وأدوية القلب والجهاز الهضمي والأمراض المزمنة.
مع دخول الألفية الجديدة، بدأ الحديث عن "توطين الصناعات الدوائية" يأخذ طابعا استراتيجيا واضحا. فقد أصبحت المملكة أكبر سوق دوائي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تمثل ما يقرب من ثلث سوق المنطقة، وتقدر قيمة سوق الأدوية فيها بعشرات المليارات من الريالات، مع توقعات بنمو مستمر خلال السنوات المقبلة. تزامن ذلك مع زيادة عدد المصانع الدوائية المسجلة في المملكة، لتتجاوز 40 مصنعا في بداية العقد الثالث من هذا القرن. هذه المصانع تغطي نسبة كبيرة من احتياجات السوق المحلية، وتصل في بعض التقديرات إلى نحو ثلث القيمة وأكثر من 40% من حيث الحجم، مع صادرات سنوية تتجاوز مليار ريال إلى دول الخليج والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ما جعل السعودية ليست فقط سوقا كبيرة للدواء، بل أيضا قاعدة تصنيعية مهمة للأدوية الجنيسة وبعض المستحضرات المتخصصة.
ثم جاءت جائحة كوفيد-19 لتضع هذه المنظومة تحت اختبار حقيقي. فقد أظهرت الأزمة أهمية وجود طاقة إنتاجية محلية للأدوية الأساسية ومستلزمات المستشفيات، وساهمت المصانع السعودية في تأمين المضادات الحيوية وأدوية العناية المركزة ومحاليل التغذية الوريدية وغيرها من المستلزمات الحيوية. كما شاركت الشركات المحلية في اتفاقيات ترخيص وتوزيع للقاحات كوفيد-19، مثل تفويض شركة تبوك لتسويق لقاح موديرنا في المملكة، ما عزز قناعة صانع القرار بأن الصناعة الدوائية ليست نشاطا اقتصاديا فقط، بل ركيزة من ركائز الأمن الصحي الوطني. في إطار رؤية 2030، تعمل وزارة الصناعة والثروة المعدنية ووزارة الصحة وهيئة الغذاء والدواء والجهات الاستثمارية مثل صندوق التنمية الصناعي وصندوق الاستثمارات العامة على رفع نسبة الأدوية المنتجة محليا، مع توسيع التركيز من الأدوية الجنيسة الكيميائية التقليدية إلى الأدوية عالية التقنية مثل المستحضرات البيولوجية، واللقاحات، وأدوية الأمراض النادرة، وربط ذلك بمنظومة بحثية متطورة تشمل الجامعات والمعهد الوطني لأبحاث الصحة ومراكز الأبحاث المتخصصة.
ما نعيشه اليوم هو بداية مرحلة جديدة تسعى فيها المملكة للانتقال من "تصنيع المرخص والجنيس" إلى "الابتكار والتطوير المحلي". الشركات العالمية تتجه لإنشاء خطوط إنتاج ومراكز تعبئة وتغليف داخل المملكة أو توقيع اتفاقيات تصنيع تحت ترخيص مع شركات سعودية، مستفيدة من موقع المملكة كبوابة لسوق إقليمي ضخم، ومن الحوافز التنظيمية والاستثمارية التي تهدف لجعلها مركزا إقليميا للتصنيع الدوائي والتقنية الحيوية وخاصة مع تدشين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان الاستراتيجية الوطنية للتقنية الحيوية. في الوقت نفسه، بدأت كيانات صحية كبرى مثل مجموعة تمر، والتي بدأت بصيدلية واحدة قبل قرن تقريبا في التوسع نحو التصنيع والاستثمار في البحث والتطوير، في علامة واضحة على نضج السوق وتكامل حلقاته من الاستيراد والتوزيع إلى التصنيع والتصدير. ومع أن التحديات لا تزال موجودة، خاصة في مجال الأدوية المبتكرة وحجم الإنفاق على البحث والتطوير، فإن حجم السوق المحلي، وموقع المملكة، والتوجه الاستراتيجي نحو دعم سلاسل القيمة المضافة، تمنح الصناعة الدوائية السعودية فرصة تاريخية لتصبح ليس فقط أكبر سوق للأدوية في المنطقة، بل أيضا مصدرا للحلول العلاجية المطورة في معاملها وجامعاتها.
nabilalhakamy@
وفي الثلاثينيات من القرن الماضي، ومع اكتشاف النفط وزيادة عوائده، بدأت دولتنا حفظها الله تعطي أهمية أكبر للقطاع الصحي؛ فتم إنشاء وزارة الصحة، وتوسعت شبكة المستشفيات والمراكز الصحية الحكومية في مختلف المناطق. لكن رغم ذلك، ظل الاعتماد على استيراد الدواء هو الأساس، من أوروبا وأمريكا ومصر والهند، عبر وكلاء وشركات محلية، وكانت الصيدليات الكبرى مثل مجموعة تمر تلعب دور الوسيط بين الشركات العالمية والمستشفيات والمرضى. التصنيع المحلي في تلك المرحلة كان بسيطا ومحدودا؛ يقتصر على تحضير تركيبات دوائية داخل صيدليات المستشفيات أو في معامل صغيرة، دون وجود صناعة متكاملة بمعايير عالمية. ومع الطفرة النفطية في السبعينيات من القرن الماضي، واتساع الرعاية الصحية المجانية، شعرت الدولة حفظها الله مبكرا بأن الاعتماد الكامل على الدواء المستورد يشكل تحديا لتحقيق الأمن الدوائي الوطني، خاصة وقت الأزمات أو الاضطرابات العالمية، فظهرت الحاجة إلى صناعة دواء وطنية حقيقية.
في هذا السياق، تأسست الشركة السعودية للصناعات الدوائية والأجهزة الطبية (سبيماكو) عام 1986 كشركة مساهمة وطنية، هدفها إقامة صناعة دوائية متقدمة وفق معايير علمية وصناعية حديثة. تم اختيار منطقة القصيم مقرا للمجمع الصناعي، وخرج أول منتج من خطوط الإنتاج في أوائل التسعينيات، لتصبح سبيماكو أول شركة دواء سعودية مدرجة في السوق المالية، وقاعدة لانطلاق شراكات مع شركات عالمية مثل سميث كلاين بيشام (التي أصبحت لاحقا جلاكسو سميث كلاين)، لتصنيع أدوية مرخصة محليا داخل المملكة. ومع التسعينيات، ظهرت شركات وطنية أخرى قوية؛ من أبرزها "تبوك للصناعات الدوائية" التي تأسست عام 1994 ونمت سريعا لتصبح من أكبر الشركات الدوائية الخاصة في المملكة وأحد أهم اللاعبين في سوق الأدوية الجنيسة في المنطقة، إلى جانب شركات أخرى مثل جمجوم فارما، والحكمة، وأجا فارما التابعة للشركة الكيميائية السعودية، وغيرها من الكيانات التي رسخت ثقافة التصنيع المرخص للشركات العالمية، ووسعت قائمة المنتجات المصنعة محليا لتشمل المضادات الحيوية وأدوية القلب والجهاز الهضمي والأمراض المزمنة.
مع دخول الألفية الجديدة، بدأ الحديث عن "توطين الصناعات الدوائية" يأخذ طابعا استراتيجيا واضحا. فقد أصبحت المملكة أكبر سوق دوائي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تمثل ما يقرب من ثلث سوق المنطقة، وتقدر قيمة سوق الأدوية فيها بعشرات المليارات من الريالات، مع توقعات بنمو مستمر خلال السنوات المقبلة. تزامن ذلك مع زيادة عدد المصانع الدوائية المسجلة في المملكة، لتتجاوز 40 مصنعا في بداية العقد الثالث من هذا القرن. هذه المصانع تغطي نسبة كبيرة من احتياجات السوق المحلية، وتصل في بعض التقديرات إلى نحو ثلث القيمة وأكثر من 40% من حيث الحجم، مع صادرات سنوية تتجاوز مليار ريال إلى دول الخليج والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ما جعل السعودية ليست فقط سوقا كبيرة للدواء، بل أيضا قاعدة تصنيعية مهمة للأدوية الجنيسة وبعض المستحضرات المتخصصة.
ثم جاءت جائحة كوفيد-19 لتضع هذه المنظومة تحت اختبار حقيقي. فقد أظهرت الأزمة أهمية وجود طاقة إنتاجية محلية للأدوية الأساسية ومستلزمات المستشفيات، وساهمت المصانع السعودية في تأمين المضادات الحيوية وأدوية العناية المركزة ومحاليل التغذية الوريدية وغيرها من المستلزمات الحيوية. كما شاركت الشركات المحلية في اتفاقيات ترخيص وتوزيع للقاحات كوفيد-19، مثل تفويض شركة تبوك لتسويق لقاح موديرنا في المملكة، ما عزز قناعة صانع القرار بأن الصناعة الدوائية ليست نشاطا اقتصاديا فقط، بل ركيزة من ركائز الأمن الصحي الوطني. في إطار رؤية 2030، تعمل وزارة الصناعة والثروة المعدنية ووزارة الصحة وهيئة الغذاء والدواء والجهات الاستثمارية مثل صندوق التنمية الصناعي وصندوق الاستثمارات العامة على رفع نسبة الأدوية المنتجة محليا، مع توسيع التركيز من الأدوية الجنيسة الكيميائية التقليدية إلى الأدوية عالية التقنية مثل المستحضرات البيولوجية، واللقاحات، وأدوية الأمراض النادرة، وربط ذلك بمنظومة بحثية متطورة تشمل الجامعات والمعهد الوطني لأبحاث الصحة ومراكز الأبحاث المتخصصة.
ما نعيشه اليوم هو بداية مرحلة جديدة تسعى فيها المملكة للانتقال من "تصنيع المرخص والجنيس" إلى "الابتكار والتطوير المحلي". الشركات العالمية تتجه لإنشاء خطوط إنتاج ومراكز تعبئة وتغليف داخل المملكة أو توقيع اتفاقيات تصنيع تحت ترخيص مع شركات سعودية، مستفيدة من موقع المملكة كبوابة لسوق إقليمي ضخم، ومن الحوافز التنظيمية والاستثمارية التي تهدف لجعلها مركزا إقليميا للتصنيع الدوائي والتقنية الحيوية وخاصة مع تدشين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان الاستراتيجية الوطنية للتقنية الحيوية. في الوقت نفسه، بدأت كيانات صحية كبرى مثل مجموعة تمر، والتي بدأت بصيدلية واحدة قبل قرن تقريبا في التوسع نحو التصنيع والاستثمار في البحث والتطوير، في علامة واضحة على نضج السوق وتكامل حلقاته من الاستيراد والتوزيع إلى التصنيع والتصدير. ومع أن التحديات لا تزال موجودة، خاصة في مجال الأدوية المبتكرة وحجم الإنفاق على البحث والتطوير، فإن حجم السوق المحلي، وموقع المملكة، والتوجه الاستراتيجي نحو دعم سلاسل القيمة المضافة، تمنح الصناعة الدوائية السعودية فرصة تاريخية لتصبح ليس فقط أكبر سوق للأدوية في المنطقة، بل أيضا مصدرا للحلول العلاجية المطورة في معاملها وجامعاتها.
nabilalhakamy@